كتاب جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 9)

يُغَطُّوها ويستروها" (¬١)، وذلك لأن المعصية إذا أُعلِنَت وجب إنكارُها، وإذا سُتِرَت لم تضرَّ إلا صاحبَها.
وما علمتُ أحدًا من أتباعهم أباحها.
ولفظ الشافعي - رضي الله عنه - فيها مُمَرَّض؛ فإنه قال: "النَّرد حرام، والشِّطْرَنج أخفُّ منه، ولا يتبيَّنُ لي تحريمُه" (¬٢)، فلفظُه صريحٌ في التوقُّف في التحريم، لا في نفي التحريم، وبينهما فرقٌ بيِّن.
وأما الجماهير فجزموا بالتحريم؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} إلى قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [المائدة: ٩٠ - ٩١].
والشِّطْرَنج من المَيْسِر، إما لفظًا ومعنًى، وإما معنًى؛ فإنه قد قال غير واحدٍ من السلف، منهم القاسم بن محمد: "الشِّطْرَنج من المَيْسِر" (¬٣).
---------------
(¬١) انظر: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" للخلال (٦١). وقد فعل ذلك ابن تيمية مرة في حادثةٍ تدل على شجاعةٍ ورباطة جأش. انظر: "العقود الدرية" (٣٥٢).
(¬٢) لم أجده بهذا اللفظ في "الأم" (٦/ ٢٢٤)، ولا فيما نقله الشافعية عنه. انظر: سنن البيهقي (١٠/ ٣٥٧)، و"المعرفة" (١٤/ ٣٢٢)، و"الحاوي" (١٧/ ١٧٧)، و"البيان" (١٣/ ٢٨٧)، و"عمدة المحتج" (١٦٠, ١٦١)، وغيرها.
(¬٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (٩٢)، والخلال في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٦٣)، والآجري في "تحريم النرد والشطرنج والملاهي" (٢٦، ٢٨).
وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال في الشطرنج: "هو ميسر الأعاجم". أخرجه البيهقي (١٠/ ٣٥٨) من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن عليٍّ به. قال البيهقي: "هذا مرسل، ولكن له شواهد". وقال ابن كثير في "إرشاد الفقيه" (٢/ ٤١٩): "هذا منقطعٌ جيد؛ لأن أهل الرجل أعلم بحديثه".

الصفحة 292