كتاب المطالب العالية محققا (اسم الجزء: 16)
مَا عَسَى أَنْ يَقُولُوا فِي الزُّبَيْرِ بْنِ العوام رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؟! رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَدْ نام فجلس الزبير رضي الله عنه يَذُبُّ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ فَقَالَ لَهُ: "يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَمْ تَزَلْ؟ " قَالَ رضي الله عنه: لم أزل بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم-: "هذا جبريل عليه الصلاة والسلام يقريك السَّلَامَ وَيَقُولُ: أَنَا مَعَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى أذب عن وجهك شرر النار" (¬6).
ما عسى أن يقولوا في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه؟! سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ أَوْتَرَ (¬7) قَوْسَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَرَّةً يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ وَيَقُولُ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وأمي.
وما عَسَى أَنْ يَقُولُوا فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عوف رضي الله عنه؟! رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يقول (¬8) في منزل فاطمة رضي الله عنها والحسن والحسين رضي الله عنهما يَبْكِيَانِ جُوعًا ويَتَضَوَّران (¬9) فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ يَصِلُنَا بِشَيْءٍ؟ " فَطَلَعَ عَبْدُ الرحمن بن عوف رضي الله عنه بصفحة فِيهَا حَيْسَة (¬10) وَرَغِيفَانِ بَيْنَهُمَا إِهَالة (¬11)، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "كَفَاكَ اللَّهُ تعالى أَمْرَ دُنْيَاكَ، وَأَمَّا أَمْرُ آخِرَتِكَ فَأَنَا لَهَا ضامن".
¬__________
(¬6) في (عم) و (سد): "شرر جهنم".
(¬7) يقال: أوتر قوسه جعل لها وترًا ووتَّرها توتيرًا شد وترها، والوتَرَ بالتحريك هو شِرْعة القوس ومُعَلَّقُها. (ينظر: القاموس 2/ 158 وت ر).
(¬8) في (عم) و (سد): "يقول وهو في منزل فاطمة رضي الله عنها".
(¬9) الضَّوْرَة الجَوْعَة، والضَّور شِدَّة الجوع، والتَّضَوُّر التلوي والصياح من وجع الضرب أو الجوع. (لسان العرب ض ور).
(¬10) الحَيْس هو الطعام المتخذ من التمر والأَقِط والسمن وقد يجعل عوض الأقط الدقيق أو الفتيت. (النهاية 1/ 467).
(¬11) الإِهالة كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به وقيل هو ما أذيب من الألية والشحم، وقيل: الدسم الجامد. (النهاية 1/ 84).
الصفحة 269