كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
وكذلك إذا سُلِّط الذَّوقُ والعقلُ على العسل تبيَّن أنَّ نُفرة الطَّبع عنه مستندُها الوهمُ الكاذب.
وإذا تأمَّل الطَّرفُ محاسنَ الجميلة البديعة الجمال تبيَّن أنَّ نُفرتَه عنها لقُبح اسمها وهمٌ فاسد.
وإذا سُلِّط العقلُ الصَّريحُ على الميِّت تبيَّن أنَّ نُفرة الرَّجل عنه لتَوهُّم حركته وثَوَرانه خيالٌ باطلٌ ووهمٌ فاسد.
وهكذا نظائر ذلك.
أفترى يَلْزَمُ من هذا أنَّا إذا سلَّطنا العقلَ الصَّريحَ على الكذب، والظُّلم، والفواحش، والإساءة إلى النَّاس، وكُفران النِّعم، وضَرْب الوالدين، والمبالغة في إهانتهما وسبِّهما، وأمثال ذلك= تبيَّن أنَّ حُكمَه بقُبحِها وهمٌ منه، ليكون نظيرَ ما ذكرتم من الأمثلة؟!
وهل في الاعتبار أفسدُ من اعتباركم هذا؟!
فإنَّ الحُكمَ فيما ذكرتم قد تبيَّن بالعقل الصَّريح والحِسِّ أنه حكمٌ وهميٌّ، ونحن لا ننازعُ فيه ولا عاقل؛ لأنَّا لمَّا سلَّطنا عليه العقلَ والحِسَّ ظهر أنَّ مستندَه الوهم، وأمَّا في القضايا التي رُكِّبَ في العقول والفِطر حُسْنُها وقُبحها فإنَّا إذا سلَّطنا العقلَ الصَّريحَ عليها لم يحكُم لها بخلاف ما هي عليه أبدًا، إلا أن يَلْجَؤوا إلى دبُّوس الشِّلاق (¬١)؛
وهو الصِّدقُ المتضمِّنُ هلاكَ
---------------
(¬١) الدبُّوس: هراوةٌ مُدَمْلَكةُ الرأس، شديدة البأس. والشِّلاق: لعبةٌ داميةٌ في العهد المملوكي، يتقاتلُ فيها الفريقان أشدَّ القتال، وكان يترتبُ عليها شرٌّ كبيرٌ ومفاسد بدمشق، كما يقول الذهبي، ووصفها القزوينيُّ في «آثار البلاد» (١٢٣).
انظر: «تاريخ الإسلام» (١٤/ ٣٦١، ١٥/ ٦١٤، ٨٩٧)، و «السلوك» للمقريزي (٢/ ٦٩٥، ٣/ ١٧٠)، و «الخطط» (٢/ ٩٦)، و «النجوم الزاهرة» (١٠/ ١٢٢)، و «المدخل» لابن الحاج (٢/ ٥٣).
والفعل منها: يُشَالِق، ويَشْتَلِق. وأصل المادة من الشَّلْق، وهو الضَّرب. وليست بعربيةٍ محضة. انظر: «العين» (٥/ ٤١)، و «الجمهرة» (٨٧٥).
ولشدَّة بأس هذا الدبُّوس في الشِّلاق فهو كنايةٌ عن أمضى ما يعتمدُ عليه المرء، وأبلغه نكاية. وكان البلقيني يحفظ مختصر المنذري لسنن أبي داود ويستشهدُ به، ويقول: «هو دبُّوسٌ شافٍ»!. انظر: «لحظ الألحاظ» لابن فهد (١٣٩).
وقد وردت هذه الكناية الغريبة في مواضع من كتب المصنف. انظر: «الكافية الشافية» (٢/ ٥٣٣)، وما مضى من الكتاب (ص: ٣٦).
وتحرفت «الشلاق» في بعض الأصول، (ق): «السلاق»، (ت): «التلاق»، وفي بعض أصول «الكافية»: «الشقاق».