كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والنجوم والجبال والسَّحاب (¬١) والمطر، وغير ذلك من آياته، ولا يدعو عبادَه إلى التفكُّر في القمل والبراغيث والبعوض والبقِّ والكلاب والحشرات ونحوها، وإنما يذكُر ما يذكُر من ذلك في سياق ضرب الأمثال، مبالغةً في الاحتقار والضَّعف؛ كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} [الحج: ٧٣]، فهنا لم يذكُر الذُّباب في سياق الدَّلالة على إثبات الصَّانع تعالى (¬٢)، وكذلك قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: ٢٦]، وكذلك قوله: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ} [العنكبوت: ٤١].
فتأمَّل ذِكرَ هذه المخلوقات الحقيرة في أيِّ سياق، وذِكرَ المخلوقات العظيمة في أيِّ سياق.
وأمَّا قولُ من قال من المتكلِّمين المتكلِّفين: إنَّ دلالةَ حصول الحياة في الأبدان الحيوانيَّة أقوى من دلالة السموات والأرض على وجود الصَّانع تعالى= فبناءٌ من هذا القائل على الأصل الفاسد، وهو إثباتُ الجوهر الفَرد (¬٣)، وأنَّ تأثيرَ الصَّانع تعالى في خَلْق العالم العُلويِّ والسُّفليِّ هو
---------------
(¬١) (ق): «والشجر».
(¬٢) في طرة (ت) هنا تعليقٌ لم يظهر جيدًا، بسبب التصوير، وفحواه أن في الآية إشارة إلى إثبات الصانع.
(¬٣) وهو الجزء الذي لا يتجزأ، والمتحيِّز الذي يقبل العَرض. انظر: «لمع الأدلة» للجويني (٨٧)، و «الحدود الأنيقة» (٧١)، و «فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية» (٤١٩).

الصفحة 1386