كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

المنجِّمين الذي لا يروجُ إلا على جاهلٍ ضعيف العقل؟!
وتنزُّه الشافعيِّ (¬١) رحمه الله عن هذا هو الذي ينبغي أن يكونَ من مناقبه، فأمَّا أن يُذْكَر في مناقبه أنه كان منجِّمًا يرى القول بأحكام النجوم ويصحِّحها (¬٢)، فهذا فعلُ من يَذُمُّ بما يظنُّه مدحًا!
وإذا كان الشافعيُّ شديدَ الإنكار على المتكلِّمين، مُزْريًا بهم، حكمُه فيهم أن يُضرَبوا بالجَرِيد، ويُطافَ بهم في القبائل (¬٣)، فماذا رأيه في المنجِّمين؟! وهو أجلُّ وأعلمُ من أن يحكُمَ بهذا الحكم على أهل الحقِّ ومَن قضاياهم في الصِّدق تنتهي إلى الحدِّ الذي ذُكِر في هذه الحكايات (¬٤).
فذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم والحاكمُ وغيرهما عن الحُميدي، قال: قال الشافعي: خرجتُ إلى اليمن في طلب كتب الفراسة، حتى كتبتُها وجمعتُها، ثمَّ لما كان انصرافي مررتُ في طريقي برجلٍ وهو مُحْتَبٍ بفناء داره، أزرقِ العين، ناتاء الجبهة، سِنَاط (¬٥)، فقلتُ له: هل من منزل؟ قال: نعم. قال الشافعي: وهذا النَّعتُ أخبثُ ما يكونُ في الفراسة. فأنزلَني، فرأيتُ أكرمَ رجل؛ بعَث إليَّ بعشاءٍ وطِيبٍ وعَلَفٍ لدوابِّي وفراشٍ ولِحَاف، فجعلتُ أتقلَّبُ الليلَ أجمَع، ما أصنعُ بهذه الكتب؟! فلمَّا أصبحتُ قلتُ
---------------
(¬١) (د، ق): «وتنزيه الشافعي».
(¬٢) (ق): «وتصحيحها».
(¬٣) أخرجه البيهقي في «مناقب الشافعي» (١/ ٤٢٦)، والهروي في «ذم الكلام» (١١٤٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١١٦).
(¬٤) أي: لو كانت صحيحة. فهذا يدلُّ على بطلانها.
(¬٥) لا لحية له. «اللسان» (سنط).

الصفحة 1448