كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
أو يكونُ المعنى: أنَّ المبلَّغ قد يكونُ أفقهَ من المبلِّغ، فإذا سمع تلك المقالةَ حملها على أحسن وجوهها، واستنبطَ فقهَها، وعَلِمَ المرادَ منها.
وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ مسلم ... » إلى آخره؛ أي: لا يحملُ الغِلَّ ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة؛ فإنها تنفي الغِلَّ والغِشَّ، وهو فسادُ القلب (¬١) وسخائمُه.
فالمخلصُ لله إخلاصُه يمنعُ غِلَّ قلبه، ويخرجُه ويزيلُه جملةً؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربِّه، فلم يبقَ فيه موضعٌ للغِلِّ والغش؛ كما قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلِصين (¬٢)} [يوسف: ٢٤]، فلمَّا أخلصَ لربِّه صرفَ عنه دواعي السوء والفحشاء؛ فانصرف عنه السوءُ والفحشاء.
ولهذا لمَّا علمَ إبليسُ أنه لا سبيلَ له على أهل الإخلاص استثناهُم من شُرْطتِه (¬٣) التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلِصين} [ص: ٨٢، ٨٣]، وقال: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلِصين} [الحجر: ٣٩، ٤٠]، قال الله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
---------------
(¬١) (ح، ن): «وفساد القلب».
(¬٢) كذا قرأ أبو عمرو في المواضع الثلاثة، وهي قراءة المصنف، وبها يستقيم احتجاجه. انظر: «الحجة» لابن خالويه (١٩٤)، و «السبعة» لابن مجاهد (٣٤٨)، و «الحجة» لأبي علي (٤/ ٤٢١)، و «الكشف عن وجوه القراءات السبع» لمكِّي (٢/ ١٠).
(¬٣) قال الصَّغاني في «العُباب» و «التكملة» (شرط): «والشُّرْطة ــ بالضمِّ ــ: ما اشْترَطْتَ، يقال: خُذ شُرْطتك». ولم أر هذا الحرفَ عند غيره.