كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

ولعلَّك أن تكون ممَّن غَلُظ حِجابُه، فتذهبَ (¬١) إلى أنَّ التَّسبيحَ دلالتُها على صانعها فقط (¬٢)؛ فاعلَم أنَّ هذا القول يظهرُ بطلانُه من أكثر من ثلاثين وجهًا قد ذكرنا أكثرها في موضعٍ آخر (¬٣).
وفي أيِّ لغةٍ تسمَّى الدلالةُ على الصَّانع تسبيحًا وسجودًا وصلاةً وتأويبًا وهُبوطًا من خشيته، كما ذكر تعالى ذلك في كتابه؟!
فتارةً يخبرُ عنها بالتَّسبيح، وتارةً بالسُّجود، وتارةً بالصَّلاة؛ كقوله تعالى: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: ٤١]، أفترى يقبلُ عقلُك أن يكون معنى الآية: كلٌّ قد عَلِمَ اللهُ دلالته عليه؟! وسمَّى تلك الدَّلالةَ صلاةً وتسبيحًا، وفرَّق بينهما وعَطَف أحدَهما على الآخر!
وتارةً يخبرُ عنها بالتَّأويب؛ كقوله: {يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [سبأ: ١٠].
---------------
(¬١) (ح، ن): «فذهبت».
(¬٢) كما ذهب إليه المتكلمون، الباقلاني، والرازي، والقفال الشاشي، وابن رشد، والزمخشري، وغيرهم. انظر: «مفاتيح الغيب» (١/ ٢٧، ٤/ ١٤٤، ٢٠/ ٣٤٨، ٢٩/ ٤٤٨)، و «مناهج الأدلة» (١٥٣)، و «تفسير السمعاني» (٥/ ٤٣٠)، و «الكشاف» (٢/ ٦٢٦)، و «المعيار المعرب» (١٢/ ٣٤٥).
(¬٣) انظر بعضها في «الروح» (٢٦٤).
وانظر: «مسائل حرب» (٤٢٧)، و «معاني القرآن» للزجاج (٣/ ٢٤٢، ٤١٩، ٥/ ١٢١)، و «تفسير السمعاني» (٣/ ٢٤٤، ٤٢٨، ٥/ ٢٤٥، ٣٦٤)، و «طبقات الشافعية» للسبكي (٨/ ٩٤، ٩٥)، و «رسالة في قنوت الأشياء كلها لله» (١/ ٤٣ - جامع الرسائل)، و «قاعدة في المحبة» (٢٣)، وله في المسألة قاعدةٌ مفردة ذكرها ابن رشيِّق. انظر: «الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (٣٠٤).

الصفحة 646