كتاب مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
وليست نفائسُ البضائع إلا لمن امتطى غاربَ الاغتراب، وطوَّف في الآفاق حتى رَضِيَ من الغنيمة بالإياب، فاستلانَ ما استَوعَره البطَّالون، وأنِسَ بما استَوحش منه الجاهلون.
فصل (¬١)
فأعِد النَّظر في نفسك، وحكمة الخلَّاق العليم في خَلْقِك، وانظُر إلى الحواسِّ التي منها تُشْرِفُ على الأشياء، كيف جعلها الله في الرأس (¬٢) كالمصابيح فوق المنارة؛ لتتمكَّن بها من مطالعة الأشياء، ولم تُجْعَل في الأعضاء التي تُمْتَهنُ (¬٣) كاليدين والرِّجلين، فتَعْرِضُ للآفات بمباشرة الأعمال والحركات، ولا جعلها في الأعضاء التي في وسط البدن كالبطن والظَّهر، فيعسُر عليها التلفُّتُ (¬٤) والاطلاعُ على الأشياء؛ فلما لم يكن لها في شيءٍ من هذه الأعضاء موضعٌ كان الرأسُ أليقَ المواضع بها وأجملها (¬٥)، فالرأسُ (¬٦) صومعةُ الحواسِّ (¬٧).
ثمَّ تأمَّل الحكمة في أنْ جعل الحواسَّ خمسًا في مقابلة المحسوسات الخمس؛ ليلقى خمسًا بخمسٍ، كي لا يبقى شيءٌ من المحسوسات لا ينالُه
---------------
(¬١) «الدلائل والاعتبار» (٤٧)، «توحيد المفضل» (٢١ - ٢٢).
(¬٢) (ر): «جعلت في الرأس». (ض): «جعلت العينان في الرأس».
(¬٣) (ض): «تحتهن».
(¬٤) (ن): «التقلب». (ض): «فيعسر تقلبها».
(¬٥) (ت): «وأجلها». (ض): «كان الرأس أسنى المواضع».
(¬٦) (ن): «أليق المواضع بها، وجعلها في الرأس».
(¬٧) من أمثال المولَّدين. انظر: «مجمع الأمثال» (٢/ ١٠١).