كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 1)
يُجِيزُوا اسْتِئْجَارَ الأَْشْجَارِ لِلاِسْتِظْلاَل بِهَا، وَلاَ الْمَصَاحِفِ لِلنَّظَرِ فِيهَا. وَيَقْرَبُ مِنْهُمُ الْمَالِكِيَّةُ، لَكِنَّهُمْ أَجَازُوا إِجَارَةَ الْمَصَاحِفِ وَإِنْ كَرِهُوا ذَلِكَ. بَيْنَمَا تَوَسَّعَ الْحَنَابِلَةُ، حَتَّى أَجَازُوا الإِْجَارَةَ عَلَى كُل مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ. وَيَقْرُبُ مِنْهُمُ الشَّافِعِيَّةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ لَمْ يُجِيزُوا بَعْضَ مَا أَجَازَهُ الْحَنَابِلَةُ، كَإِجَارَةِ الدَّنَانِيرِ لِلتَّجْمِيل، وَالأَْشْجَارِ لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ، فِي الْقَوْل الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ. (1)
29 - ثَالِثًا وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةَ الاِسْتِيفَاءِ. وَلَيْسَتْ طَاعَةً مَطْلُوبَةً، وَلاَ مَعْصِيَةً مَمْنُوعَةً. وَهَذَا الشَّرْطُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ مَذْكُورٌ فِيمَا بَعْدُ (ف 108)
30 - رَابِعًا: وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَنْفَعَةِ لِصِحَّةِ الإِْجَارَةِ: الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِيفَائِهَا حَقِيقَةً وَشَرْعًا. فَلاَ تَصِحُّ إِجَارَةُ الدَّابَّةِ الْفَارَّةِ، وَلاَ إِجَارَةُ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ، لِكَوْنِهِ مَعْجُوزًا عَنْ تَسْلِيمِهِ، وَلاَ الأَْقْطَعِ وَالأَْشَل لِلْخِيَاطَةِ بِنَفْسِهِ، فَهِيَ مَنَافِعُ لاَ تَحْدُثُ إِلاَّ عِنْدَ سَلاَمَةِ الأَْسْبَابِ. (2)
وَعَلَى هَذَا فَلاَ تَجُوزُ إِجَارَةُ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُسْتَأْجِرُ، وَيَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ. وَانْبَنَى عَلَى هَذَا الْقَوْل بِعَدَمِ جَوَازِ اسْتِئْجَارِ الْفَحْل لِلإِْنْزَاءِ، وَالْكَلْبِ وَالْبَازِ لِلصَّيْدِ، وَالْقَوْل بِعَدَمِ جَوَازِ إِجَارَةِ الظِّئْرِ دُونَ
__________
(1) الفتاوى الهندية 4 / 411، والبدائع 4 / 175، 176، وحاشية الدسوقي 4 / 20، والشرح الصغير 4 / 160، والمهذب 1 / 394، 395، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج 3 / 69، والمحرر 1 / 356، والمغني 5 / 406 ط 1389 هـ.
(2) الفتاوى الهندية 4 / 411، والبدائع 4 / 187، ومنهاج الطالبين وحاشية القليوبي 3 / 69، 72، والمهذب 1 / 396
إِذْنِ زَوْجِهَا؛ لأَِنَّهُ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ يَحُول دُونَ إِجَارَتِهَا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ (ف 116)
31 - خَامِسًا: وَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَيْضًا لِصِحَّةِ الإِْجَارَةِ: أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً عِلْمًا يَنْفِي الْجَهَالَةَ الْمُفْضِيَةَ لِلنِّزَاعِ. (1)
وَهَذَا الشَّرْطُ يَجِبُ تَحَقُّقُهُ فِي الأُْجْرَةِ أَيْضًا؛ لأَِنَّ الْجَهَالَةَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تُفْضِي إِلَى النِّزَاعِ. وَهَذَا مَوْضِعُ اتِّفَاقٍ. (2)
مَعْلُومِيَّةُ الْمَنْفَعَةِ:
32 - تَتَعَيَّنُ الْمَنْفَعَةُ بِبَيَانِ الْمَحَل. وَقَدْ تَتَعَيَّنُ بِنَفْسِهَا كَمَا إِذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلاً لِخِيَاطَةِ ثَوْبِهِ وَبَيَّنَ لَهُ جِنْسَ الْخِيَاطَةِ. وَقَدْ تُعْلَمُ بِالتَّعْيِينِ وَالإِْشَارَةِ، كَمَنِ اسْتَأْجَرَ رَجُلاً لِيَنْقُل لَهُ هَذَا الطَّعَامَ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ.
33 - وَقَدْ أَدَّى اشْتِرَاطُ بَيَانِ مَحَل الْمَنْفَعَةِ إِلَى تَقْسِيمِ الإِْجَارَةِ إِلَى إِجَارَةِ أَعْيَانٍ، تُسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةُ مِنْ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ بِذَاتِهَا بِحَيْثُ إِذَا هَلَكَتِ انْفَسَخَتِ الإِْجَارَةُ، كَاسْتِئْجَارِ الدُّورِ لِلسُّكْنَى، وَإِلَى إِجَارَةٍ مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ، تُسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةُ مِمَّا يُحَدَّدُ بِالْوَصْفِ، فَإِذَا هَلَكَتْ بَعْدَ التَّعْيِينِ قَدَّمَ الْمُؤَجِّرُ غَيْرَهَا.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَفِي رَأْيٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اشْتِرَاطُ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ قَبْل الإِْجَارَةِ، وَإِلاَّ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ. غَيْرَ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَقْصُرُونَ اشْتِرَاطَهُ عَلَى
__________
(1) ويروي ابن رشد في بداية المجتهد 2 / 180، 223 أن طائفة من السلف قالوا بجواز إجارة المجهولات قياسا للإجارة على القراض والمساقاة.
(2) الفتاوى الهندية 4 / 411، والبدائع 4 / 180، والهداية 3 / 232، وبداية المجتهد 2 / 180، 223، والمهذب 1 / 398، والمغني 5 / 357، 368 ط 1389 هـ
الصفحة 260