كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 1)

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الإِْجَارَةِ الثَّانِيَةِ إِنْ لَمْ تَكُنِ الأُْجْرَةُ فِيهَا مِنْ جِنْسِ الأُْجْرَةِ الأُْولَى، لِلْمَعْنَى السَّابِقِ، أَمَّا إِنِ اتَّحَدَ جِنْسُ الأُْجْرَتَيْنِ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ لاَ تَطِيبُ لِلْمُسْتَأْجِرِ. وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ، وَصَحَّتِ الإِْجَارَةُ الثَّانِيَةُ لأَِنَّ الْفَضْل فِيهِ شُبْهَةٌ. أَمَّا إِنْ أَحْدَثَ زِيَادَةً فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَتَطِيبُ الزِّيَادَةُ لأَِنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الزِّيَادَةِ الْمُسْتَحْدَثَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ ثَانٍ لَهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَحْدَثَ الْمُسْتَأْجِرُ الأَْوَّل زِيَادَةً فِي الْعَيْنِ جَازَ لَهُ الزِّيَادَةُ فِي الأَْجْرِ دُونَ اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ جِنْسِ الأَْجْرِ أَوِ اخْتِلاَفِهِ، وَسَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْمُؤَجِّرُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ.
وَلِلإِْمَامِ أَحْمَدَ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ إِنْ أَذِنَ الْمُؤَجِّرُ بِالزِّيَادَةِ جَازَ، وَإِلاَّ فَلاَ.
فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ يُجِيزُونَهُ بَعْدَ الْقَبْضِ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ.
50 - أَمَّا قَبْل الْقَبْضِ فَيَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مُطْلَقًا عَقَارًا كَانَ أَوْ مَنْقُولاً، بِمُسَاوٍ أَوْ بِزِيَادَةٍ أَوْ بِنُقْصَانٍ، وَهُوَ غَيْرُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الْمَنَافِعُ، وَهِيَ لاَ تَصِيرُ مَقْبُوضَةً بِقَبْضِ الْعَيْنِ فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهَا الْقَبْضُ. وَفِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَوَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَجُوزُ، كَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِهِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ فِي الْعَقَارِ دُونَ الْمَنْقُول. وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ إِلَى عَدَمِ الْجَوَازِ مُطْلَقًا. وَهَذَا الْخِلاَفُ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْعَقَارِ قَبْل قَبْضِهِ. وَقِيل: إِنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ فِي الإِْجَارَةِ.
51 - وَأَمَّا إِجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلْمُؤَجِّرِ فَالْمَالِكِيَّةُ
وَالشَّافِعِيَّةُ يُجِيزُونَهَا مُطْلَقًا، عَقَارًا أَوْ مَنْقُولاً، قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ لِلْحَنَابِلَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَهُمْ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَبْل الْقَبْضِ، بِنَاءً عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ. (1) وَمَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ إِيجَارَهَا لِلْمُؤَجِّرِ مُطْلَقًا، عَقَارًا كَانَ أَوْ مَنْقُولاً قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَوْ بَعْدَ مُسْتَأْجِرٍ آخَرَ.
وَهَل إِذَا أَجَّرَهَا ثَانٍ لِلْمُؤَجِّرِ الأَْوَّل تَبْطُل الإِْجَارَةُ الأُْولَى؟ رَأْيَانِ؛ الصَّحِيحُ لاَ تَبْطُل، وَالثَّانِي تَبْطُل، وَذَلِكَ لأَِنَّ إِيجَارَهَا لِلْمُؤَجِّرِ تَنَاقُضٌ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مُطَالَبٌ بِالأُْجْرَةِ لِلْمُؤَجِّرِ، فَيُصْبِحُ دَائِنًا وَمَدِينًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ.

الْمَطْلَبُ الثَّانِي
الأَْحْكَامُ التَّبَعِيَّةُ الَّتِي يَلْتَزِمُ بِهَا الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ
الْتِزَامَاتُ الْمُؤَجِّرِ
أ - تَسْلِيمُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ:
52 - يَلْتَزِمُ الْمُؤَجِّرُ بِتَمْكِينِ الْمُسْتَأْجِرِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِتَسْلِيمِهِ الْعَيْنَ حَتَّى انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ قَطْعِ الْمَسَافَةِ. وَيَشْمَل التَّسْلِيمُ تَوَابِعَ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ الَّتِي لاَ يَتَحَقَّقُ الاِنْتِفَاعُ الْمَطْلُوبُ إِلاَّ بِهَا حَسَبَ الْعُرْفِ.
__________
(1) الفتاوى الهندية 4 / 425، وابن عابدين 5 / 56 ط بولاق 1272 هـ، والحطاب 5 / 417 ط النجاح، والهداية 3 / 236، والبدائع 4 / 206، وحاشية الدسوقي والشرح الكبير 4 / 7، 8، والمهذب 1 / 403، والمغني مع الشرح الكبير 6 / 35، 55 * تنبيه: ترى اللجنة أن إباحة إيجار المستأجر للمؤجر نفس العين المستأجرة - في أكثر الصور - تنبيه بيع العينة المنهى عنه. ولعل هذا ما دعا الحنفية إلى منع ذلك.

الصفحة 268