كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 1)
تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكَانَ كُل جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَنَافِعِ مَعْقُودًا عَلَيْهِ عَقْدًا مُبْتَدَأً. فَإِذَا حَدَثَ الْعَيْبُ بِالْمُسْتَأْجَرِ كَانَ هَذَا عَيْبًا حَدَثَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْل الْقَبْضِ، وَهَذَا يُوجِبُ الْخِيَارَ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ، فَكَذَا فِي الإِْجَارَةِ، فَلاَ فَرْقَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَفُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ يُجْمِعُونَ عَلَى هَذَا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الْمَذَاهِبِ تَرَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ كَالْعَيْنِ، وَأَنَّهُ يَتِمُّ تَسْلِيمُهَا عِنْدَ التَّعَاقُدِ إِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْصُوفَةً فِي الذِّمَّةِ، بَل صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِهَذَا التَّعْلِيل. يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا حَصَل الْعَيْبُ أَثْنَاءَ الاِنْتِفَاعِ ثَبَتَ لِلْمُكْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ؛ لأَِنَّ الْمَنَافِعَ لاَ يَحْصُل قَبْضُهَا إِلاَّ شَيْئًا فَشَيْئًا. إِلَخْ. (1)
وَإِنْ زَال الْعَيْبُ قَبْل الْفَسْخِ - بِأَنْ زَال الْعَرَجُ عَنِ الدَّابَّةِ أَوْ بَادَرَ الْمُكْرِي إِلَى إِصْلاَحِ الدَّارِ - لاَ يَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ حَقُّ الرَّدِّ وَبَطَل حَقُّهُ فِي طَلَبِ الْفَسْخِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ. (2)
الْفَصْل الْخَامِسُ
الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ
77 - قَدْ يَقَعُ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ فِي بَعْضِ أُمُورٍ تَتَعَلَّقُ بِالإِْجَارَةِ، كَالْمُدَّةِ وَالْعِوَضِ وَالتَّعَدِّي، وَالرَّدِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَلِمَنْ يَكُونُ الْقَوْل عِنْدَ انْعِدَامِ الْبَيِّنَةِ؟
وَقَدْ أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ (عَلَى اخْتِلاَفِ مَذَاهِبِهِمْ) صُوَرًا شَتَّى فِي هَذَا الأَْمْرِ. وَتَرْجِعُ آرَاؤُهُمْ كُلُّهَا إِلَى تَحْدِيدِ كُلٍّ مِنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَلَى
__________
(1) المغني 6 / 30، 31
(2) البدائع 4 / 196، والمهذب 1 / 405، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 29، والشرح الصغير 4 / 52
الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ، وَالْقَوْل مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَلِلظَّاهِرِ مَدْخَلٌ فِي تَحْدِيدِ كُلٍّ مِنْهُمَا. فَمَنْ شَهِدَ لَهُ الظَّاهِرُ فَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْقَوْل قَوْلُهُ، وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا عَلَى الآْخَرِ فَهُوَ الْمُدَّعِي.
وَالْفُرُوعُ الَّتِي سِيقَتْ فِي هَذَا الْبَابِ (مَعَ كَثْرَتِهَا) تَرْجِعُ إِلَى هَذَا الأَْصْل. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (دَعْوَى) .
الْفَصْل السَّادِسُ
كَيْفِيَّةُ اسْتِعْمَال الْعَيْنِ الْمَأْجُورَةِ
79 - الإِْجَارَةُ قَدْ تَكُونُ عَلَى مَنْقُولٍ - حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ - وَقَدْ تَكُونُ عَلَى غَيْرِ مَنْقُولٍ. كَمَا قَدْ تَكُونُ إِجَارَةَ أَشْخَاصٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الأَْجِيرُ خَاصًّا أَمْ مُشْتَرَكًا. وَقَدْ تَتَمَيَّزُ بَعْضُ هَذِهِ الأَْنْوَاعِ بِأَحْكَامٍ خَاصَّةٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا بِحَسَبِ كُل نَوْعٍ مِنْهَا.
وَعَالَجَ الْفُقَهَاءُ مَا كَانَ فِي الْعُهُودِ السَّابِقَةِ مِنْ إِجَارَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعُرُوضِ فَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ مِنْ حَيْثُ كَيْفِيَّةُ اسْتِعْمَالِهَا. وَبِالنَّظَرِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ آرَاءَهُمْ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الأُْسُسِ الآْتِيَةِ:
أ - إِذَا كَانَ هُنَاكَ شَرْطٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا وَجَبَ الاِلْتِزَامُ بِهِ.
ب - إِذَا كَانَتْ طَبِيعَةُ الْمَأْجُورِ مِمَّا يَتَأَثَّرُ بِاخْتِلاَفِ الاِسْتِعْمَال وَجَبَ أَلاَّ تُسْتَعْمَل عَلَى وَجْهٍ ضَارٍ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى وَجْهٍ أَخَفَّ.
الصفحة 276