كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
مِنْ كُل وَجْهٍ مُرَجَّحٌ عَلَى الأَْصْل الَّذِي هُوَ فَائِتٌ وَهَالِكٌ مِنْ وَجْهٍ.
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إِذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ لَحْمًا، فَشَوَاهُ أَوْ طَبَخَهُ، أَوْ حَدِيدًا فَضَرَبَهُ سِكِّينًا، أَوْ تُرَابًا لَهُ قِيمَةٌ فَاتَّخَذَهُ خَزَفًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يَسْتَرِدَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَيَزُول مِلْكُهُ بِضَمَانِ الْمِثْل أَوِ الْقِيمَةِ، وَتَبْطُل وِلاَيَةُ الاِسْتِرْدَادِ، كَمَا إِذَا اسْتَهْلَكَهُ حَقِيقَةً.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: لاَ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ، وَلاَ يَزُول مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ؛ لأَِنَّ بَقَاءَ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ يُوجِبُ بَقَاءَ مِلْكِ الْمَالِكِ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ الأَْصْلِيَّ فِي الْغَصْبِ رَدُّ الْعَيْنِ عِنْدَ قِيَامِهَا، وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ، فَتَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ، وَتَتْبَعُهُ الصَّنْعَةُ الْحَادِثَةُ؛ لأَِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلأَْصْل، وَلاَ مُعْتَبَرَ بِفِعْلِهِ؛ لأَِنَّهُ مَحْظُورٌ فَلاَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقِيمَةِ أَوِ الْعَيْنِ مَعَ الأَْرْشِ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّ الْغَاصِبَ يُشَارِكُ الْمَالِكَ بِكُل الزِّيَادَةِ؛ لأَِنَّهَا حَصَلَتْ بِمَنَافِعِهِ، وَمَنَافِعُهُ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الأَْعْيَانِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَوَّمَ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ غَيْرَ مُصَنَّعَةٍ، ثُمَّ تُقَوَّمَ مُصَنَّعَةً، فَالزِّيَادَةُ تَكُونُ لِلْغَاصِبِ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ (1) .
__________
(1) نتائج الأفكار (تكملة فتح القدير) والعناية 7 / 375، 378 وبدائع الصنائع 7 / 148، 153، 154، والمغني لابن قدامة والشرح الكبير 5 / 394، 396، 403، 405، وبلغة السالك لأقرب المسالك 2 / 212 وما بعدها، وروضة الطالبين 5 / 24 وما بعدها، ونيل الأوطار 6 / 69، 70، وحاشية الدسوقي 3 / 446
مَا يُبَاحُ إِحْرَاقُهُ وَمَا لاَ يُبَاحُ:
26 - الأَْصْل أَنَّ الْمُصْحَفَ الصَّالِحَ لِلْقِرَاءَةِ لاَ يُحْرَقُ، لِحُرْمَتِهِ، وَإِذَا أُحْرِقَ امْتِهَانًا يَكُونُ كُفْرًا عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ.
وَهُنَاكَ بَعْضُ الْمَسَائِل الْفَرْعِيَّةِ، مِنْهَا: قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْمُصْحَفُ إِذَا صَارَ خَلَقًا، وَتَعَذَّرَ الْقِرَاءَةُ مِنْهُ، لاَ يُحْرَقُ بِالنَّارِ، بَل يُدْفَنُ، كَالْمُسْلِمِ.
وَذَلِكَ بِأَنْ يُلَفَّ فِي خِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ ثُمَّ يُدْفَنَ. وَتُكْرَهُ إِذَابَةُ دِرْهَمٍ عَلَيْهِ آيَةٌ، إِلاَّ إِذَا كُسِرَ، فَحِينَئِذٍ لاَ يُكْرَهُ إِذَابَتُهُ، لِتَفَرُّقِ الْحُرُوفِ، أَوْ؛ لأَِنَّ الْبَاقِيَ دُونَ آيَةٍ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: حَرْقُ الْمُصْحَفِ الْخَلَقِ إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ صِيَانَتِهِ فَلاَ ضَرَرَ، بَل رُبَّمَا وَجَبَ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْخَشَبَةُ الْمَنْقُوشُ عَلَيْهَا قُرْآنٌ فِي حَرْقِهَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: يُكْرَهُ حَرْقُهَا لِحَاجَةِ الطَّبْخِ مَثَلاً، وَإِنْ قُصِدَ بِحَرْقِهَا إِحْرَازُهَا لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَرْقُ لِحَاجَةٍ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ عَبَثًا فَيَحْرُمُ، وَإِنْ قَصَدَ الاِمْتِهَانَ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَكْفُرُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ تَحْرِيقِ الْمُصْحَفِ غَيْرِ الصَّالِحِ لِلْقِرَاءَةِ (2) .
أَمَّا كُتُبُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهَا فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الاِسْتِخْفَافِ فَإِحْرَاقُهَا كُفْرٌ مِثْل الْقُرْآنِ، وَأَيْضًا أَسْمَاءُ اللَّهِ وَأَسْمَاءُ الأَْنْبِيَاءِ الْمَقْرُونَةِ بِمَا يَدُل عَلَى ذَلِكَ مِثْل: " عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " لاَ مُطْلَقُ الأَْسْمَاءِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: هَذِهِ الْكُتُبُ إِذَا كَانَ يَتَعَذَّرُ
__________
(1) الدسوقي 4 / 301
(2) الفروع 1 / 115، وكشاف القناع 1 / 137
الصفحة 123