كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
23 - وَلِلْحَنَفِيَّةِ تَفْصِيلٌ خَاصٌّ فِي هَذَا، لِقَوْلِهِمْ بِكَرَاهَةِ الْقِرَانِ لِلْمَكِّيِّ، وَأَنَّهُ إِنْ فَعَلَهُ جَازَ وَأَسَاءَ، وَعَلَيْهِ دَمُ جَبْرٍ لإِِسَاءَتِهِ هَذِهِ. كَمَا أَنَّ لِلْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى تَفْصِيلاً بِحَسَبِ آرَائِهِمْ فِي مَسَائِل مِنَ الإِْحْرَامِ وَأَوْجُهِ الإِْحْرَامِ. وَالتَّفْصِيل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْمُحْرِمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَكِّيًّا أَوْ آفَاقِيًّا (1) .
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِحَال إِضَافَةِ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ فَعَلَى وُجُوهٍ.
24 - الْوَجْهُ الأَْوَّل: أَنْ يُدْخِل الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْل أَنْ يَطُوفَ لِلْعُمْرَةِ:
أ - إِنْ كَانَ آفَاقِيًّا صَحَّ ذَلِكَ، بِلاَ كَرَاهَةٍ، وَكَانَ قَارِنًا، بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ (2) . بَل هُوَ مُسْتَحَبٌّ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، لِحَمْل فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ، عَلَى مَا حَقَّقَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ (3) .
وَمِمَّا يَدُل عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ قَوْلُهَا: وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ فَحِضْتُ قَبْل أَنْ أَدْخُل مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي
__________
(1) المراد بالمكي من كان بمكة أو في منطقة المواقيت ولو كان من غير أهلها غير أنه دخلها ومكث فيها، لذا كان التعبير الأكثر منه دقة هو " الميقاتي "، والآفاقي من ليس كذلك. و (ر: آفاقي)
(2) فتح القدير 2 / 288، والبدائع 2 / 169، واللباب وشرحه المسلك المتقسط ص 197، والمبسوط 4 / 182، والشرح الكبير 2 / 27، 28، ومواهب الجليل 3 / 50، وشرح الزرقاني 2 / 258، وشروح المنهاج 2 / 127، والنهاية 2 / 442، والكافي 1 / 533، والإيضاح، والمهذب 7 / 163، والمجموع 7 / 164، والمغني 3 / 472
(3) شرح اللباب ص 197
يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ. . . . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1) . وَعَلَّل الْمَالِكِيَّةُ صِحَّةَ إِرْدَافِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بِقَوْلِهِمْ: " لِقُوَّتِهِ وَضَعْفِهَا ".
ب - وَإِنْ كَانَ مَكِّيًّا (أَوْ مِيقَاتِيًّا) فَتُرْتَفَضُ عُمْرَتُهُ اتِّفَاقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ دَمُ الرَّفْضِ؛ لأَِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لِلْمَكِّيِّ عِنْدَهُمْ (2) ، " وَالنُّزُوعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ لاَزِمٌ " وَيَرْفُضُ الْعُمْرَةَ هُنَا؛ لأَِنَّهَا أَقَل عَمَلاً، وَالْحَجُّ أَكْثَرُ عَمَلاً. فَكَانَتِ الْعُمْرَةُ أَخَفَّ مُؤْنَةً مِنَ الْحَجَّةِ، فَكَانَ رَفْضُهَا أَيْسَرَ، وَلأَِنَّ الْمَعْصِيَةَ حَصَلَتْ بِسَبَبِهَا؛ لأَِنَّهَا هِيَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي وَقْتِ الْحَجِّ، فَكَانَتْ أَوْلَى بِالرَّفْضِ. وَيُمْضِي حَجَّتَهُ. وَعَلَيْهِ دَمٌ لِرَفْضِ عُمْرَتِهِ. وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْعُمْرَةِ (3) ".
أَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ فَحُكْمُ الآْفَاقِيِّ وَالْمَكِّيِّ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ فِي صِحَّةِ الإِْحْرَامَيْنِ وَصَيْرُورَتِهِ قَارِنًا، تَبَعًا لِمَذْهَبِهِمْ فِي تَجْوِيزِ الْقِرَانِ لِلْمَكِّيِّ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي. (ف 30)
لَكِنْ شَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ صَحِيحَةً. وَهَذَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الإِْرْدَافِ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْقِرَانِ فَقَطْ وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ اشْتِرَاطَ أَنْ يَكُونَ إِدْخَال الْحَجِّ عَلَيْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
25 - الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُدْخِل الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ
__________
(1) البخاري في (باب الاعتمار بعد الحج بغير هدي) 3 / 4، 5. ومسلم 4 / 27 - 29
(2) فتح القدير 2 / 288 - 289
(3) بدائع الصنائع 2 / 169، والمراد بالرفض في كلامهم: الترك.
الصفحة 137