كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى مَا هُوَ الأَْصَحُّ الْجَدِيدُ فِي الْمَذْهَبِ - لاَ جَزَاءَ فِي الأَْكْل. وَلَمْ يُعَمِّمُوا الْحُرْمَةَ عَلَى غَيْرِ مَنْ صِيدَ لَهُ الصَّيْدُ (1) .
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: يَحِل لِلْمُحْرِمِ أَكْل مَا صَادَهُ الْحَلاَل مِنَ الصَّيْدِ، مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ، أَوْ تَكُونُ مِنْهُ إِعَانَةٌ عَلَيْهِ أَوْ إِشَارَةٌ أَوْ دَلاَلَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (2) .
وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: " كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَقُولُونَ: لِلْمُحْرِمِ أَكْل مَا صَادَهُ الْحَلاَل، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَبِهِ قَال أَصْحَابُ الرَّأْيِ (3) ".
اسْتَدَل أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الأَْوَّل الْقَائِلُونَ بِتَحْرِيمِ أَكْل لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ مُطْلَقًا بِإِطْلاَقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيمَا سَبَقَ (4) .
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الثَّانِي بِأَنَّ مَا صَادَهُ الْحَلاَل يَحِل أَكْلُهُ لِلْمُحْرِمِ بِشَرْطِ أَلاَّ يَكُونَ صِيدَ لأَِجْلِهِ بِأَدِلَّةٍ مِنَ السُّنَّةِ مِنْهَا:
حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقُ فَقَدْ أَحَل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُحْرِمِينَ أَكْل مَا صَادَهُ الْحَلاَل. وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ أَيْضًا بِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
__________
(1) المجموع 7 / 307، 308، ومراجع المذاهب السابقة أصحاب هذا الرأي.
(2) الهداية 2 / 273، ولباب المناسك وشرحه المسلك المتقسط ص 254، وتنوير الأبصار وشرح الدر؟ ؟ ، وحاشية رد المحتار 2 / 301
(3) المجموع 7 / 330، وانظر تعليق ابن القيم 2 / 364 وفيه ذكر عثمان بن عفان نقلا عن ابن عبد البر.
(4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6 / 322 ط دار الكتب المصرية، وتفسير ابن كثير 2 / 103 - 104 وفيه تخريج الآثار التي ذكرناها كلها من أقوال الصحابة والتابعين. وتعليق ابن القيم 2 / 364
قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلاَلٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (1) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (2) . وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي سَنَدِهِ، لَكِنْ رَجَّحَ النَّوَوِيُّ صِحَّتَهُ (3) .
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ - الْقَائِلُونَ: يَحِل لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُل مِنْ صَيْدٍ صَادَهُ الْحَلاَل، وَذَبَحَهُ، مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُحْرِمِ دَلاَلَةٌ وَلاَ أَمْرٌ لِلْحَلاَل بِهِ، وَإِنْ صَادَهُ الْحَلاَل لأَِجْل الْمُحْرِمِ - بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السُّنَّةِ وَالآْثَارِ.
مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقُ، فِي صَيْدِهِ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ حَلاَلٌ وَأَكَل مِنْهُ الصَّحَابَةُ وَأَقَرَّهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ (4) . وَجْهُ دَلاَلَةِ الْحَدِيثِ: " أَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُجِبْ بِحِلِّهِ لَهُمْ حَتَّى سَأَلَهُمْ عَنْ مَوَانِعِ الْحِل، أَكَانَتْ مَوْجُودَةً أَمْ لاَ؟ فَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِل عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لاَ. قَال: فَكُلُوا إِذَنْ ". فَلَوْ كَانَ مِنَ
__________
(1) أبو داود 2 / 171 والترمذي (باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم) 3 / 203، 204، والنسائي (باب إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال 5 / 186، 187) وقوله " أو يصد لكم " في نسخة أبي داود والترمذي. وفي مختصر المنذري لأبي داود وعند النسائي " أو يصاد " بإثبات الألف. قال النووي في المجموع 7 / 305 " هكذا الرواية فيه يصاد " بالألف، وهو جائز على لغة، ومنه قوله تعالى: " أنه من يتقي ويصبر " على قراءة من قرأ بالياء.
(2) في المستدرك: على شرط الشيخين 1 / 452 ووافقه الذهبي.
(3) المجموع 7 / 304، 305
(4) كما في رواية البخاري 9 / 547

الصفحة 165