كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)

وَصَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالسَّفِيهِ وَعَزَاهُ إِلَى ابْنِ الْقَاسِمِ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ. وَقَال الدَّرْدِيرُ: يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الزَّوْجَةِ فَقَطْ. وَعَلَّلَهُ الدُّسُوقِيُّ بِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الزَّوْجَةِ ضَعِيفٌ؛ لأَِنَّهُ لِحَقِّ غَيْرِهَا، بِخِلاَفِ الْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ وَمَنْ يُشْبِهُهُ لأَِنَّهُ لِحَقِّ نَفْسِهِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاءُ النَّفْل الَّذِي أُحْصِرَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ؛ لأَِنَّ اعْتِمَارَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِل مِنْ عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ إِنَّمَا كَانَ قَضَاءً لِتِلْكَ الْعُمْرَةِ، وَلِذَلِكَ قِيل لَهَا عُمْرَةُ الْقَضَاءِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ. وَهِيَ رِوَايَةٌ مُقَابِلَةٌ لِلصَّحِيحِ (1) .

مَا يَلْزَمُ الْمُحْصَرَ فِي الْقَضَاءِ:
51 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ عَنِ الْحَجِّ إِذَا تَحَلَّل وَقَضَى فِيمَا يُسْتَقْبَل يَجِبُ عَلَيْهِ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ، وَالْقَارِنُ عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَتَانِ. أَمَّا الْمُعْتَمِرُ فَيَقْضِي الْعُمْرَةَ فَقَطْ. وَعَلَيْهِ نِيَّةُ الْقَضَاءِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (2) .
وَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ إِلَى أَنَّ النُّسُكَ الَّذِي وَجَبَ فِيهِ الْقَضَاءُ لِلتَّحَلُّل بِالإِْحْصَارِ يَلْزَمُ فِيهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ بِالإِْحْصَارِ فَحَسْبُ، إِنْ حَجَّةً فَحَجَّةٌ فَقَطْ، وَإِنْ عُمْرَةً فَعُمْرَةٌ، وَهَكَذَا. وَعَلَيْهِ نِيَّةُ الْقَضَاءِ عِنْدَهُمْ أَيْضًا (3) .
__________
(1) مواهب الجليل 2 / 205، وشرح الدردير وحاشية الدسوقي 2 / 97 - 98، والمجموع 8 / 265، والجامع لأحكام القرآن 2 / 534، والمغني 3 / 357
(2) الهداية 2 / 299، وشرح الكنز للزيلعي 2 / 79 - 80
(3) المهذب مع المجموع 8 / 244، والمغني 3 / 357
اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُمَا قَالاَ فِي الْمُحْصَرِ بِالْحَجِّ: " عَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ (1) " وَذَلِكَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَنْ تَوْقِيفٍ.
وَتَابَعَهُمَا فِي ذَلِكَ عَلْقَمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَسَالِمٌ، وَالْقَاسِمُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ (2) .
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ: مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَل، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ. (3) وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْعُمْرَةَ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً مَعَ الْحَجِّ لَذَكَرَهَا.

مَوَانِعُ الْمُتَابَعَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:
52 - مَوَانِعُ الْمُتَابَعَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَهَا حَالاَنِ:
الْحَال الأُْولَى: أَنْ تَمْنَعَ مِنَ الإِْفَاضَةِ وَمَا بَعْدَهَا. الْحَال الثَّانِيَةُ: أَنْ تَمْنَعَ مِمَّا بَعْدَ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ. سَبَقَ الْبَحْثُ فِيمَنْ مُنِعَ مِنْ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ، هَل يَكُونُ مُحْصَرًا أَوْ لاَ، مَعَ بَيَانِ الْخِلاَفِ فِي ذَلِكَ.
أَمَّا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ فِيهِ الإِْحْصَارُ إِذَا اسْتَوْفَى الْمَانِعُ شُرُوطَ الإِْحْصَارِ فَحُكْمُ تَحَلُّلِهِ حُكْمُ تَحَلُّل الْمُحْصَرِ، بِكُل التَّفَاصِيل الَّتِي سَبَقَتْ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ فِيهِ الإِْحْصَارُ فَإِنَّهُ يَظَل مُحْرِمًا حَتَّى يُؤَدِّيَ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ
__________
(1) أحكام القرآن لأبي بكر الرازي 1 / 326، والبدائع 2 / 182، وفيه: " ابن مسعود وابن عمر ". وفي الهداية " ابن عباس وابن عمر ". قال في نصب الراية 3 / 144: " ذكره أبو بكر الرازي عن ابن عباس وابن مسعود لا غير "، ولم يخرجه في نصب الراية من مراجع السنة.
(2) أحكام القرآن المرجع السابق.
(3) سبق تخريجه (في فترة 9)

الصفحة 218