كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)

وَلِلْحَنَابِلَةِ فِيمَا يَكُونُ بِهِ الإِْحْيَاءُ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا، وَهِيَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنِ الْقَاضِي: أَنَّ تَحْوِيطَ الأَْرْضِ إِحْيَاءٌ لَهَا سَوَاءٌ أَرَادَهَا لِلْبِنَاءِ أَوِ الزَّرْعِ أَوْ حَظِيرَةً لِلْغَنَمِ أَوِ الْخَشَبِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، فَقَال: الإِْحْيَاءُ أَنْ يُحَوِّطَ عَلَيْهَا حَائِطًا، أَوْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا أَوْ نَهْرًا. وَلاَ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ تَسْقِيفٌ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَال مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ (1) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَيُرْوَى عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ؛ وَلأَِنَّ الْحَائِطَ حَاجِزٌ مَنِيعٌ، فَكَانَ إِحْيَاءً، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَعَلَهَا حَظِيرَةً لِلْغَنَمِ. وَيُبَيِّنُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْقَصْدَ لاَ اعْتِبَارَ لَهُ. وَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحَائِطُ مَنِيعًا يَمْنَعُ مَا وَرَاءَهُ، وَيَكُونُ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ. وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْبُلْدَانِ.
وَرِوَايَةُ الْقَاضِي الثَّانِيَةُ: " أَنَّ الإِْحْيَاءَ مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ إِحْيَاءً، لأَِنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَعْلِيقِ الْمِلْكِ عَلَى الإِْحْيَاءِ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ وَلاَ ذَكَرَ كَيْفِيَّتَهُ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى مَا كَانَ إِحْيَاءً فِي الْعُرْفِ، وَلاَ يُعْتَبَرُ فِي إِحْيَاءِ الأَْرْضِ حَرْثُهَا وَلاَ زَرْعُهَا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَكَرَّرُ كُلَّمَا أَرَادَ الاِنْتِفَاعَ بِهَا فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي الإِْحْيَاءِ كَسَقْيِهَا (2) ".
__________
(1) حديث سمرة: " من أحاط. . . " رواه البيهقي من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف (تلخيص الحبير 3 / 62) وقال في التقريب (2 / 132) كثير ضعيف، من السابعة، منهم من نسبه إلى الكذب.
(2) المغني 5 / 590 - 592 ط الرياض.
إِهْمَال الْمُحْيَا:
25 - مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً، ثُمَّ تَرَكَهَا، وَزَرَعَهَا غَيْرُهُ، فَهَل يَمْلِكُهَا الثَّانِي، أَوْ تَبْقَى عَلَى مِلْكِ الأَْوَّل؟
مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهَا تَبْقَى عَلَى مِلْكِ الأَْوَّل، وَلاَ يَمْلِكُهَا الثَّانِي بِالإِْحْيَاءِ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً لَيْسَتْ لأَِحَدٍ فَهِيَ لَهُ، وَقَوْلِهِ: فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ؛ وَلأَِنَّ هَذِهِ أَرْضٌ يُعْرَفُ مَالِكُهَا، فَلَمْ تُمْلَكْ بِالإِْحْيَاءِ، كَالَّتِي مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ أَوْ عَطِيَّةٍ.
وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الثَّانِيَ يَمْلِكُهَا، قِيَاسًا عَلَى الصَّيْدِ إِذَا أَفْلَتَ وَلَحِقَ بِالْوَحْشِ وَطَال زَمَانُهُ، فَهُوَ لِلثَّانِي. وَالْقَوْل الثَّالِثُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الأَْوَّل أَحْيَاهُ، أَوِ اخْتَطَّهُ أَوِ اشْتَرَاهُ، فَإِنْ كَانَ الأَْوَّل أَحْيَاهُ كَانَ الثَّانِي أَحَقَّ بِهِ. وَإِنْ كَانَ الأَْوَّل اخْتَطَّهُ أَوِ اشْتَرَاهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ (1) .

التَّوْكِيل فِي الإِْحْيَاءِ:
26 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِي إِحْيَاءِ الأَْرْضِ الْمَوَاتِ، وَيَقَعُ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّل؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَقْبَل التَّوْكِيل فِيهِ (2) .
__________
(1) الفتاوى الهندية 5 / 386، والقليوبي وعميرة 3 / 88 ط الحلبي، والمغني 5 / 564 ط الرياض، والتاج والإكليل بهامش الحطاب 6 / 3، والرهوني 7 / 97
(2) الإقناع بهامش البجيرمي 3 / 112 ط دار المعرفة، والمغني 5 / 89 ط الرياض، والفتاوى الهندية 5 / 387، وحاشية ابن عابدين 5 / 383، والشرح الكبير بهامش الدسوقي 3 / 377 / 3 250 / 3

الصفحة 249