كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
دَيْنَ الْمَيِّتِ الْمُعْسِرِ. فَقَال بَعْضُهُمْ: كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَال آخَرُونَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَيْهِ، بَل كَانَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَطَوُّعًا. ثُمَّ اخْتَلَفُوا أَيْضًا هَل الْقَضَاءُ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ أَمْ مِنْ مَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ كَانَ مِنْ مَال نَفْسِهِ فَهِيَ خُصُوصِيَّةٌ لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَتْ بِخُصُوصِيَّةٍ لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَل يُشَارِكُهُ فِيهَا جَمِيعُ وُلاَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَالأَْصْل فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُل يُتَوَفَّى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَيَسْأَل: هَل تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلاً، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لَهُ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلاَّ قَال لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ (1) .
ك - وُجُوبُ تَخْيِيرِهِ نِسَاءَهُ وَإِمْسَاكُ مَنِ اخْتَارَتْهُ:
18 - طَالَبَهُ أَزْوَاجُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوَسُّعِ فِي النَّفَقَةِ - كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ - حَتَّى تَأَذَّى مِنْ ذَلِكَ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ فَقَال جَل شَأْنُهُ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
__________
(1) حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في النفقات، باب من ترك كلا أو ضياعا، وانظر مواهب الجليل3 / 396، ونهاية المحتاج 6 / 175، وسنن البيهقي7 / 44، وتلخيص الحبير 3 / 48، 121 (اللؤلؤ والمرجان حديث رقم 1044)
فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآْخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} (1) .
فَخَيَّرَهُنَّ، فَاخْتَرْنَهُ كُلُّهُنَّ إِلاَّ الْعَامِرِيَّةَ اخْتَارَتْ قَوْمَهَا، فَأُمِرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِمْسَاكِ مَنِ اخْتَارَتْهُ مِنْهُنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ يَحِل لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلاَ أَنْ تَبَدَّل بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} (2) ، وَذَلِكَ مُكَافَأَةٌ لَهُنَّ عَلَى إِيثَارِهِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الاِخْتِصَاصَاتُ الْمُحَرَّمَةُ
19 - قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ مَا أَحَلَّهُ لأُِمَّتِهِ، تَنْزِيهًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ سَفَاسِفِ الأُْمُورِ، وَإِعْلاَءً لِشَأْنِهِ، وَلأَِنَّ أَجْرَ تَرْكِ الْمُحَرَّمِ أَكْبَرُ مِنْ أَجْرِ تَرْكِ الْمَكْرُوهِ، وَبِذَلِكَ يَزْدَادُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُلُوًّا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ:
أ - الصَّدَقَاتُ:
20 - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْ صَدَقَاتِ النَّاسِ لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَفْرُوضَةً أَوْ تَطَوُّعًا، كَالزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَةِ، وَالنَّذْرِ وَالتَّطَوُّعِ، صِيَانَةً لِمَنْصِبِهِ الشَّرِيفِ، وَلأَِنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ ذُل الآْخِذِ وَعِزِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، وَقَدْ أَبْدَل اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِهَا الْفَيْءَ الَّذِي يُؤْخَذُ عَلَى
__________
(1) سورة الأحزاب / 28، 29
(2) سورة الأحزاب / 52
الصفحة 261