كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ الشَّيْبَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ (1) ، فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى أَنَّ الْحِنَّاءَ وَالْكَتَمَ مِنْ أَحْسَنِ الصِّبَاغَاتِ الَّتِي يُغَيَّرُ بِهَا الشَّيْبُ. وَأَنَّ الصَّبْغَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِمَا، بَل يُشَارِكُهُمَا غَيْرُهُمَا مِنَ الصِّبَاغَاتِ فِي أَصْل الْحُسْنِ (2) لِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ بَحْتًا (3) .
الاِخْتِضَابُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ:
10 - الاِخْتِضَابُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ يُشَارِكُ الاِخْتِضَابَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ فِي أَصْل الاِسْتِحْبَابِ. وَقَدِ اخْتَضَبَ بِهِمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. رَوَى أَبُو مَالِكٍ الأَْشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: كَانَ خِضَابُنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ (4) ، وَقَال الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَخِي رَافِعٌ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ، وَأَنَا مَخْضُوبٌ بِالْحِنَّاءِ، وَأَخِي مَخْضُوبٌ بِالصُّفْرَةِ، فَقَال عُمَرُ: هَذَا خِضَابُ الإِْسْلاَمِ. وَقَال لأَِخِي رَافِعٍ: هَذَا خِضَابُ الإِْيمَانِ (5) .
__________
(1) رواه الخمسة، وحسنه الترمذي عن أبي ذر، (نيل الأوطار 1 / 117 وما بعدها) .
(2) نيل الأوطار، وحاشية ابن عابدين 5 / 271، ونهاية المحتاج 8 / 140، والبجيرمي على الخطيب 4 / 291
(3) والأثر عن أبي بكر أخرجه مسلم عن أنس (نيل الأوطار) ومعنى " بحتا " منفردا.
(4) المغني والشرح الكبير 1 / 75، 76 ط المنار بمصر. والورس نبت كالسمسم طيب الرائحة، صبغه بين الحمرة والصفرة. (جواهر الإكليل شرح مختصر خليل 1 / 189 مطبعة الحلبي) . والكتم بفتحتين: نبت يخلط بالحناء، يختضب به. (مختار الصحاح - كتم) وحديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه رواه أحمد (3 / 472) والبزار، ورجاله رجال الصحيح خلا بكر بن عيسى وهو ثقة (مجمع الزوائد 5 / 159 ط 1353 هـ) .
(5) حديث الحكم بن عمرو الغفاري رواه أحمد، وفيه عبد الرحمن بن حبيب، وثقه ابن معين، وضعفه أحمد، وبقية رجاله رجال ثقات (مجمع الزوائد 5 / 159)
الاِخْتِضَابُ بِالسَّوَادِ:
11 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الاِخْتِضَابِ بِالسَّوَادِ: فَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - يَقُولُونَ: بِكَرَاهَةِ الاِخْتِضَابِ بِالسَّوَادِ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ (1) . أَمَّا فِي الْحَرْبِ فَهُوَ جَائِزٌ إِجْمَاعًا، بَل هُوَ مُرَغَّبٌ فِيهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَالِدِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا جِيءَ إِلَيْهِ عَامَ الْفَتْحِ، وَرَأْسُهُ يَشْتَعِل شَيْبًا: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَلْتُغَيِّرْهُ، وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ. (2)
وَقَال الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: إِنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَخَّصَ فِي الاِخْتِضَابِ بِالسَّوَادِ لِلْمُجَاهِدِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ لِلرِّجَال دُونَ النِّسَاءِ (3) ، وَقَدِ اسْتَدَل الْمُجَوِّزُونَ لِلاِخْتِضَابِ بِالسَّوَادِ بِأَدِلَّةٍ: مِنْهَا: قَوْل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَحْسَنَ مَا اخْتَضَبْتُمْ بِهِ لِهَذَا السَّوَادُ، أَرْغَبُ لِنِسَائِكُمْ فِيكُمْ، وَأَهْيَبُ لَكُمْ فِي صُدُورِ أَعْدَائِكُمْ. (4)
__________
(1) المغني 1 / 75، 76 المنار، وحاشية ابن عابدين 5 / 481
(2) حديث " اذهبوا به إلى بعض نسائه. . . " أخرجه ابن ماجه في سننه (2 / 1197 ط عيسى الحلبي 1373 هـ) وقال محققه: وفي الزوائد: أصل الحديث قد رواه مسلم، لكن في هذه الطريق التي رواه بها المصنف ليث بن سليم، وهو ضعيف عند الجمهور.
(3) تحفة الأحوذي 5 / 436، مطبعة الفجالة الجديدة بمصر.
(4) حديث " إن أحسن ما اختضبتم به. . . " أخرجه ابن ماجه. في الزوائد: إسناده حسن (سنن ابن ماجه 2 / 1197 ط عيسى الحلبي 1373 هـ) .
الصفحة 280