كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
الأَْعْيَانِ كَمَا مُثِّل. وَفِي فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَلَهَا تَنَوُّعٌ يَخُصُّهَا، وَهُوَ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا غَيْرُهُ: فَقَدْ تَتَعَيَّنُ فِي وَقْتٍ، أَوْ مَكَانٍ، وَعَلَى شَخْصٍ أَوْ طَائِفَةٍ كَمَا يَقَعُ مِثْل ذَلِكَ فِي الْوِلاَيَاتِ وَالْجِهَاتِ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ.
قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَكَذَلِكَ كُل تَنَوُّعٍ فِي الْوَاجِبَاتِ يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْمُسْتَحَبَّاتِ (1) .
7 - وَقَدْ نَظَرَ الشَّاطِبِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَحَصَرَ الْخِلاَفَ غَيْرَ الْحَقِيقِيِّ فِي عَشَرَةِ أَنْوَاعٍ.
مِنْهَا: مَا تَقَدَّمَ مِنَ الاِخْتِلاَفِ فِي الْعِبَارَةِ.
وَمِنْهَا: أَنْ لاَ يَتَوَارَدَ الْخِلاَفُ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ (2) .
وَمِنْهَا: اخْتِلاَفُ أَقْوَال الإِْمَامِ الْوَاحِدِ، بِنَاءً عَلَى تَغَيُّرِ الاِجْتِهَادِ، وَالرُّجُوعِ عَمَّا أَفْتَى بِهِ أَوَّلاً.
وَمِنْهَا: أَنْ يَقَعَ الاِخْتِلاَفُ فِي الْعَمَل لاَ فِي الْحُكْمِ، بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْعَمَلَيْنِ جَائِزًا، كَاخْتِلاَفِ الْقُرَّاءِ فِي وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقْرَءُوا بِمَا قَرَءُوا بِهِ عَلَى إِنْكَارِ غَيْرِهِ، بَل عَلَى إِجَازَتِهِ وَالإِْقْرَارِ بِصِحَّتِهِ، فَهَذَا لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ بِاخْتِلاَفٍ، فَإِنَّ الْمَرْوِيَّاتِ عَلَى الصِّحَّةِ لاَ خِلاَفَ فِيهَا، إِذِ الْكُل مُتَوَاتِرٌ.
وَهَذِهِ الأَْنْوَاعُ السَّابِقَةُ تَقَعُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَفِي اخْتِلاَفِهِمْ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي فَتَاوَى الأَْئِمَّةِ وَكَلاَمِهِمْ فِي مَسَائِل الْعِلْمِ. وَهِيَ أَنْوَاعٌ - وَإِنْ سُمِّيَتْ خِلاَفًا - إِلاَّ أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْوِفَاقِ (3) .
__________
(1) مجموع الفتاوى الكبرى 19 / 116 - 121
(2) الموافقات 4 / 216، وانظر لتحقيق المسألة: العضد على مختصر ابن الحاجب.
(3) الموافقات 4 / 217
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلاِخْتِلاَفِ بِحَسَبِ أَنْوَاعِهِ:
أُمُورُ الدِّينِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهَا الْخِلاَفُ إِمَّا أُصُول الدِّينِ أَوْ فُرُوعُهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِمَّا أَنْ يَثْبُتَ بِالأَْدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ أَوْ لاَ. فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:
8 - النَّوْعُ الأَْوَّل: أُصُول الدِّينِ الَّتِي تَثْبُتُ بِالأَْدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ، كَوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذِهِ أُمُورٌ لاَ مَجَال فِيهَا لِلاِخْتِلاَفِ، مَنْ أَصَابَ الْحَقَّ فِيهَا فَهُوَ مُصِيبٌ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَهُوَ كَافِرٌ (1) .
9 - النَّوْعُ الثَّانِي: بَعْضُ مَسَائِل أُصُول الدِّينِ، مِثْل مَسْأَلَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الآْخِرَةِ، وَخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَخُرُوجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ، وَمَا يُشَابِهُ ذَلِكَ، فَقِيل يَكْفُرُ الْمُخَالِفُ، وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ. فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعَمِ (2) .
وَشَرْطُ عَدَمِ التَّكْفِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ مُصَدِّقًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالتَّكْذِيبُ الْمُكَفِّرُ أَنْ يَنْفِيَ وُجُودَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُول وَيَزْعُمَ أَنَّ مَا قَالَهُ كَذِبٌ مَحْضٌ أَرَادَ بِهِ صَرْفَ النَّاسِ عَنْ شَيْءٍ يُرِيدُهُ، كَذَا قَال الْغَزَالِيُّ (3) .
10 - النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْفُرُوعُ الْمَعْلُومَةُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَفَرْضِيَّةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَحُرْمَةِ الزِّنَا، فَهَذَا لَيْسَ مَوْضِعًا لِلْخِلاَفِ. وَمَنْ خَالَفَ فِيهِ
__________
(1) فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة.
(2) إرشاد الفحول ص260 ط مصطفى الحلبي وكشف الخفاء 1 / 65، والمغني 2 / 417 ط الأولى بالمنار.
(3) فيصل التفرقة للغزالي.
الصفحة 293