كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
وَاسْتَأْنَسُوا لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ مِنْ مِثْل قَوْل الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لَقَدْ نَفَعَ اللَّهُ بِاخْتِلاَفِ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَعْمَالِهِمْ، لاَ يَعْمَل الْعَامِل بِعَمَل رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلاَّ رَأَى أَنَّهُ فِي سَعَةٍ، وَرَأَى أَنَّ خَيْرًا مِنْهُ قَدْ عَمِلَهُ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا أُحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلاً وَاحِدًا كَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ، وَأَنَّهُمْ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ، فَلَوْ أَخَذَ أَحَدٌ بِقَوْل رَجُلٍ مِنْهُمْ كَانَ فِي سَعَةٍ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَال: اخْتِلاَفُ أَهْل الْعِلْمِ تَوْسِعَةٌ، وَمَا بَرِحَ الْمُفْتُونَ يَخْتَلِفُونَ، فَيُحَلِّل هَذَا وَيُحَرِّمُ هَذَا، فَلاَ يَعِيبُ هَذَا عَلَى هَذَا، وَلاَ هَذَا عَلَى هَذَا (1) .
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْفُرُوعِ - لاَ مُطْلَقِ الاِخْتِلاَفِ - مِنْ آثَارِ الرَّحْمَةِ فَإِنَّ اخْتِلاَفَهُمْ تَوْسِعَةٌ لِلنَّاسِ. قَال: فَمَهْمَا كَانَ الاِخْتِلاَفُ أَكْثَرَ كَانَتِ الرَّحْمَةُ أَوْفَرَ (2) .
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا، فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَال. لَيْسَ فِي اخْتِلاَفِ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعَةٌ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ فِي وَاحِدٍ (3) . وَقَال الْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ: ذَمَّ اللَّهُ الاِخْتِلاَفَ وَأَمَرَ بِالرُّجُوعِ عِنْدَهُ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (4) .
__________
(1) كشف الخفاء ص 65، والموافقات 4 / 125
(2) حاشية ابن عابدين 1 / 46
(3) الموافقات 4 / 129
(4) الموافقات4 / 120
وَتَوَسَّطَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بَيْنَ الاِتِّجَاهَيْنِ، فَرَأَى أَنَّ الاِخْتِلاَفَ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً، وَقَدْ يَكُونُ عَذَابًا. قَال: النِّزَاعُ فِي الأَْحْكَامِ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً إِذَا لَمْ يُفْضِ إِلَى شَرٍّ عَظِيمٍ مِنْ خَفَاءِ الْحُكْمِ. وَالْحَقُّ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ وَاحِدٌ، وَقَدْ يَكُونُ خَفَاؤُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ - لِمَا فِي ظُهُورِهِ مِنَ الشِّدَّةِ عَلَيْهِ - مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ {لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} . (1) وَهَكَذَا مَا يُوجَدُ فِي الأَْسْوَاقِ مِنَ الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ مَغْصُوبًا، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمِ الإِْنْسَانُ بِذَلِكَ كَانَ كُلُّهُ حَلاَلاً لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ بِحَالٍ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا عَلِمَ. فَخَفَاءُ الْعِلْمِ بِمَا يُوجِبُ الشِّدَّةَ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً، كَمَا أَنَّ خَفَاءَ الْعِلْمِ بِمَا يُوجِبُ الرُّخْصَةَ قَدْ يَكُونُ عُقُوبَةً، كَمَا أَنَّ رَفْعَ الشَّكِّ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً وَقَدْ يَكُونُ عُقُوبَةً. وَالرُّخْصَةُ رَحْمَةٌ. وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهُ النَّفْسِ أَنْفَعَ كَمَا فِي الْجِهَادِ (2) .
أَسْبَابُ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ:
16 - الاِخْتِلاَفُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَاشِئًا عَنْ هَوًى، أَوْ عَنِ الاِجْتِهَادِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
فَأَمَّا مَا كَانَ نَاشِئًا عَنْ هَوًى فَهُوَ مَوْضِعُ الذَّمِّ، إِذْ أَنَّ الْفَقِيهَ تَابِعٌ لِمَا تَدُل عَلَيْهِ الأَْدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ فَإِنْ صَرَفَ الأَْدِلَّةَ إِلَى مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ فَقَدْ جَعَل الأَْدِلَّةَ تَابِعَةً لِهَوَاهُ (3) .
وَذَكَرَ الشَّاطِبِيُّ أَنَّ الْخِلاَفَ النَّاشِئَ عَنِ الْهَوَى
__________
(1) سورة المائدة / 101
(2) مجموع الفتاوى14 / 159
(3) إحياء علوم الدين ط المكتبة التجارية 1 / 42
الصفحة 296