كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
وَقَال الْغَزَالِيُّ: يَأْخُذُ بِقَوْل أَفْضَلِهِمْ عِنْدَهُ وَأَغْلَبِهِمْ صَوَابًا فِي قَلْبِهِ. (1)
وَقَدْ أَيَّدَ الشَّاطِبِيُّ الْقَوْل الثَّانِيَ مِنْ أَنَّ الْمُقَلِّدَ لَيْسَ عَلَى التَّخْيِيرِ. قَال: لَيْسَ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَتَخَيَّرَ فِي الْخِلاَفِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُفْتِينَ مُتَّبِعٌ لِدَلِيلٍ عِنْدَهُ يَقْتَضِي ضِدَّ مَا يَقْتَضِيهِ دَلِيل صَاحِبِهِ. فَهُمَا صَاحِبَا دَلِيلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ. فَاتِّبَاعُ أَحَدِهِمَا بِالْهَوَى اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى. فَلَيْسَ إِلاَّ التَّرْجِيحُ بِالأَْعْلَمِيَّةِ وَنَحْوِهَا. فَكَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ التَّرْجِيحُ، أَوِ التَّوَقُّفُ، فَكَذَلِكَ الْمُقَلِّدُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى تَتَبُّعِ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ. (2)
مَا يَصْنَعُ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي فِي الْمَسَائِل الْخِلاَفِيَّةِ:
27 - يَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا. وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَحْكُمُ بِتَقْلِيدِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فَخَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، أَمْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ، وَسَوَاءٌ أَضَاقَ الْوَقْتُ أَمْ لَمْ يَضِقْ. وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُفْتِي الْفُتْيَا بِالتَّقْلِيدِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ تَعَذَّرَ هَذَا الشَّرْطُ فَوَلَّى سُلْطَانٌ أَوْ مَنْ لَهُ شَوْكَةٌ مُقَلِّدًا نَفَذَ قَضَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ. (3)
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُ كَوْنِ الْقَاضِي مُقَلِّدًا. (4) وَالاِجْتِهَادُ عِنْدَ
__________
(1) القسطاس المستقيم ص 87 ط بيروت.
(2) الموافقات 4 / 133، 140 - 147
(3) المغني 11 / 380 - 384، ونهاية المحتاج 8 / 224 ط الحلبي 1357 هـ
(4) الشرح الصغير وحاشية الصاوي ط دار المعارف بمصر 4 / 188 - 199
الْحَنَفِيَّةِ شَرْطُ أَوْلَوِيَّةٍ فَقَطْ. (1)
فَعَلَى قَوْل مَنِ اشْتَرَطَ الاِجْتِهَادَ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ فِي الْمَسَائِل الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَلاَ إِجْمَاعٌ لاَ يَحْكُمُ إِلاَّ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ حَسَبَ أُصُول الاِجْتِهَادِ.
وَعَلَى قَوْل مَنْ يُجِيزُ كَوْنَ الْقَاضِي مُقَلِّدًا، ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْكُمُ الْمُقَلِّدُ بِقَوْل مُقَلِّدِهِ أَيْ بِالرَّاجِحِ مِنْ مَذْهَبِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ قَوْلَهُ - يَعْنِي إِمَامَ الْمَذْهَبِ - أَمْ قَوْل أَصْحَابِهِ، لاَ بِالضَّعِيفِ، وَلاَ بِقَوْل غَيْرِهِ مِنَ الْمَذَاهِبِ، وَإِلاَّ نُقِضَ حُكْمُهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِلضَّعِيفِ مُدْرَكٌ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ وَكَانَ مِنْ أَهْل التَّرْجِيحِ، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي. وَيَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَعْمَل بِالضَّعِيفِ لأَِمْرٍ اقْتَضَى ذَلِكَ عِنْدَهُ. (2) وَقِيل: بَل يُقَلِّدُ قَوْل الْغَيْرِ إِذَا كَانَ رَاجِحًا فِي مَذْهَبِ ذَلِكَ الْغَيْرِ، قَال الصَّاوِيُّ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَهُمْ فِي الْمَسَائِل الْخِلاَفِيَّةِ تَفْصِيلٌ: فَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: يَحْكُمُ الْقَاضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِمَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ. فَيُرَجِّحُ قَوْل بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِاجْتِهَادِهِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُمْ جَمِيعًا. وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وَخَالَفَهُمْ وَاحِدٌ مِنَ التَّابِعِينَ لاَ يُعْتَبَرُ خِلاَفُهُ إِلاَّ إِنْ كَانَ مِمَّنْ أَدْرَكَ عَهْدَهُمْ وَزَاحَمَهُمْ فِي الْفُتْيَا كَشُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ. فَإِنْ لَمْ يَأْتِ عَنِ الصَّحَابَةِ شَيْءٌ فَبِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ.
فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ خِلاَفٌ رَجَحَ قَوْل بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ
__________
(1) الهداية وفتح القدير 6 / 359
(2) الشرح الصغير 4 / 189
الصفحة 300