كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
الدَّوْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمَا الشَّخْصَانِ.
فَإِنْ كَانَ اخْتِلاَفُ الدَّارَيْنِ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ لأَِنَّ دِيَارَ الإِْسْلاَمِ كُلَّهَا دَارٌ وَاحِدَةٌ. قَال السَّرَخْسِيُّ: " أَهْل الْعَدْل مَعَ أَهْل الْعَدْل يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ لأَِنَّ دَارَ الإِْسْلاَمِ دَارُ أَحْكَامٍ، فَبِاخْتِلاَفِ الْمَنَعَةِ وَالْمَلِكِ لاَ تَتَبَايَنُ الدَّارُ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّ حُكْمَ الإِْسْلاَمِ يَجْمَعُهُمْ ". وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُنْقَل فِيهِ خِلاَفٌ، إِلاَّ مَا قَال الْعَتَّابِيُّ: إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْنَا لاَ يَرِثُ مِنَ الْمُسْلِمِ الأَْصْلِيِّ سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِنَا، أَوْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا بِدَارِ الْحَرْبِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَقَوْل الْعَتَّابِيِّ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الإِْسْلاَمِ حِينَ كَانَتِ الْهِجْرَةُ فَرِيضَةً. فَقَدْ نَفَى اللَّهُ تَعَالَى الْوِلاَيَةَ بَيْنَ مَنْ هَاجَرَ وَمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ فَقَال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا (1) } ، فَلَمَّا كَانَتِ الْوَلاَيَةُ بَيْنَهُمَا مُنْتَفِيَةً كَانَ الْمِيرَاثُ مُنْتَفِيًا؛ لأَِنَّ الْمِيرَاثَ عَلَى الْوَلاَيَةِ. فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّ حُكْمَ الْهِجْرَةِ قَدْ نُسِخَ. قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ (2) .
قَال السَّرَخْسِيُّ: " فَأَمَّا دَارُ الْحَرْبِ فَلَيْسَتْ بِدَارِ أَحْكَامٍ، وَلَكِنْ دَارُ قَهْرٍ. فَبِاخْتِلاَفِ الْمَنَعَةِ وَالْمَلِكِ تَخْتَلِفُ الدَّارُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَبِتَبَايُنِ الدَّارِ يَنْقَطِعُ التَّوَارُثُ. وَكَذَلِكَ إِذَا خَرَجُوا إِلَيْنَا بِأَمَانٍ، لأَِنَّهُمْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَإِنْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ فِينَا، فَيُجْعَل كُل
__________
(1) سورة الأنفال / 72
(2) ابن عابدين 5 / 490 ط 1272هـ. وحديث: " لا هجرة بعد الفتح " أخرجه البخاري 4 / 18 ط صبيح وأخرجه مسلم بلفظ " لا هجرة ولكن جهاد ونية " 2 / 986، بتحقيق محمد عبد الباقي.
وَاحِدٍ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُ فِي مَنَعَةِ مَلِكِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بِأَمَانٍ (1) ". أَمَّا أَهْل الذِّمَّةِ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَهْل دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَلِذَا فَهُمْ مُخَالِفُونَ فِي الدَّارِ لأَِهْل الْحَرْبِ.
أَمَّا الْحَرْبِيُّونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَإِنَّ دُورَهُمْ قَدْ تَتَّفِقُ وَقَدْ تَخْتَلِفُ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ شَارِحًا مَعْنَى اخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ: " اخْتِلاَفُهُمَا بِاخْتِلاَفِ الْمَنَعَةِ أَيِ الْعَسْكَرِ، وَاخْتِلاَفُ الْمَلِكِ، كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمَلِكَيْنِ فِي الْهِنْدِ، وَلَهُ دَارٌ وَمَنَعَةٌ، وَالآْخَرُ فِي التُّرْكِ، وَلَهُ دَارٌ وَمَنَعَةٌ أُخْرَى، وَانْقَطَعَتِ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَسْتَحِل كُلٌّ مِنْهُمْ قِتَال الآْخَرِ. فَهَاتَانِ الدَّارَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَتَنْقَطِعُ بِاخْتِلاَفِهِمَا الْوِرَاثَةُ؛ لأَِنَّهَا تَنْبَنِي عَلَى الْعِصْمَةِ وَالْوِلاَيَةِ. أَمَّا إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَنَاصُرٌ وَتَعَاوُنٌ عَلَى أَعْدَائِهِمَا كَانَتِ الدَّارُ وَالْوِرَاثَةُ ثَابِتَةً (2) ": (وَانْظُرْ: دَارُ الإِْسْلاَمِ وَدَارُ الْكُفْرِ) . وَدَارُ الإِْسْلاَمِ مُخَالِفٌ لِدَارِ الْحَرْبِ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَنَاصُرٌ وَتَعَاوُنٌ.
أَنْوَاعُ اخْتِلاَفِ الدَّارَيْنِ:
2 - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: قَدْ تَخْتَلِفُ الدَّارَانِ حَقِيقَةً فَقَطْ، أَوْ حُكْمًا فَقَطْ، أَوْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا: فَاخْتِلاَفُهُمَا حَقِيقَةً فَقَطْ، كَمُسْتَأْمَنٍ فِي دَارِنَا وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِهِمْ، فَإِنَّ الدَّارَ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ حَقِيقَةً لَكِنِ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ حُكْمًا. فَهُمَا مُتَّحِدَانِ حُكْمًا.
__________
(1) المبسوط للسرخسي 30 / 33. وانظر أيضا حاشية ابن عابدين 5 / 490
(2) رد المحتار حاشية ابن عابدين على الدر المختار 5 / 489، وشرح السراجية 81
الصفحة 304