كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ الْوَلَدَ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ يَتْبَعُ فِي الإِْسْلاَمِ أَبَاهُ فَقَطْ لاَ أُمَّهُ وَلاَ جَدَّهُ (1) .
8 - ثَانِيًا: إِذَا اخْتَلَفَ دِينُ الْوَالِدَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا، فَإِنَّ الْوَلَدَ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ يَتْبَعُ خَيْرَهُمَا دِينًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَمُقْتَضَى قَوْل الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْوَلَدَ تَبَعٌ لأَِبِيهِ فِي الدِّينِ دُونَ أُمِّهِ، وَاضِحٌ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَاخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَتَخَيَّرُ بَعْدَ بُلُوغِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُ الأَْبَوَيْنِ نَصْرَانِيًّا وَالآْخَرُ يَهُودِيًّا وَكَانَ لَهُمَا وَلَدَانِ فَاخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْيَهُودِيَّةَ وَالآْخَرُ النَّصْرَانِيَّةَ حَصَل التَّوَارُثُ بَيْنَهُمْ (2) . وَلَمْ يُعْثَرْ لِلْحَنَابِلَةِ عَلَى نَصٍّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
ز - النَّفَقَةُ:
9 - لاَ يَمْنَعُ اخْتِلاَفُ الدِّينِ وُجُوبَ نَفَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الْمَمَالِيكِ. أَمَّا النَّفَقَةُ عَلَى الأَْقَارِبِ فَيَمْنَعُهَا اخْتِلاَفُ الدِّينِ. فَلاَ يَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ نَفَقَةُ قَرِيبِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ دِينُهُمَا وَاحِدًا. وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا فِي غَيْرِ عَمُودَيِ النَّسَبِ.
10 - أَمَّا عَمُودَا النَّسَبِ، وَهُمَا الأُْصُول وَالْفُرُوعُ فَفِيهِمَا اتِّجَاهَانِ:
الأَْوَّل: تَجِبُ النَّفَقَةُ لَهُمْ سَوَاءٌ اتَّفَقَ الدِّينُ أَمِ اخْتَلَفَ وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ
__________
(1) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2 / 200 و 4 / 308
(2) حاشية القليوبي 3 / 148، والزيلعي 2 / 173
الْمَالِكِيَّةَ يَقْصُرُونَ نَفَقَةَ الأُْصُول وَالْفُرُوعِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ، وَلاَ يُوجِبُونَهَا لِلأَْجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَوَلَدِ الْبَنِينَ. وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْهُمَامِ الْحَرْبِيِّينَ مِنْهُمْ فَلاَ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ؛ لأَِنَّا نُهِينَا عَنِ الْبِرِّ فِي حَقِّ مَنْ يُقَاتِلُنَا فِي الدِّينِ.
وَدَلِيل هَذَا الاِتِّجَاهِ أَنَّ هَذَا الْقَرِيبَ يُعْتَقُ عَلَى قَرِيبِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَأَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ هُنَا بِحَقِّ الْجُزْئِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ بَيْنَ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ، وَلاَ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ الدِّينِ، وَجُزْءُ الْمَرْءِ فِي مَعْنَى نَفْسِهِ.
وَالاِتِّجَاهُ الثَّانِي: لاَ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ مَعَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ. وَدَلِيلُهُ أَنَّهَا مُوَاسَاةٌ تَجِبُ عَلَى سَبِيل الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، فَلَمْ تَجِبْ مَعَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ كَنَفَقَةِ غَيْرِ عَمُودَيِ النَّسَبِ؛ وَلأَِنَّهُمَا غَيْرُ مُتَوَارِثَيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ لأَِحَدِهِمَا نَفَقَةٌ عَلَى الآْخَرِ (1) .
ح - الْعَقْل (حَمْل الدِّيَةِ) :
11 - اخْتِلاَفُ الدِّينِ بِالإِْسْلاَمِ وَالْكُفْرِ يَمْنَعُ الْعَقْل، فَلاَ يَعْقِل كَافِرٌ عَنْ مُسْلِمٍ وَلاَ مُسْلِمٌ عَنْ كَافِرٍ، بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، حَتَّى لَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ بَيْتَ مَال الْمُسْلِمِينَ يَعْقِل عَنِ الْمُسْلِمِ إِنْ عَجَزَتْ عَاقِلَتُهُ، وَلاَ يَعْقِل عَنْ كَافِرٍ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ، أَوْ مُرْتَدٍّ؛ لاِخْتِلاَفِ الدِّينِ. ثُمَّ قَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ يَعْقِل يَهُودِيٌّ عَنْ نَصْرَانِيٍّ، وَلاَ نَصْرَانِيٌّ عَنْ يَهُودِيٍّ. وَخَالَفَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، فَالْكُفَّارُ عِنْدَهُمْ يَتَعَاقَلُونَ وَإِنِ
__________
(1) بدائع الصنائع 4 / 36، وفتح القدير 3 / 348 ط بولاق، وحاشية الدسوقي 2 / 522، ونهاية المحتاج 7 / 208، والمغني 9 / 259
الصفحة 311