كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ. قَال صَاحِبُ الدُّرِّ: لأَِنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ اشْتِرَاطُ اتِّحَادِ الدَّارِ (1) .
ط - الْوَصِيَّةُ:
12 - يَتَّفِقُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ إِذَا صَدَرَتْ مِنْ مُسْلِمٍ لِذِمِّيٍّ، أَوْ مِنْ ذِمِّيٍّ لِمُسْلِمٍ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (2) ، وَلأَِنَّ الْكُفْرَ لاَ يُنَافِي أَهْلِيَّةَ التَّمَلُّكِ، فَكَمَا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَافِرِ وَهِبَتُهُ فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ.
وَرَأَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا إِنَّمَا تَصِحُّ لِلذِّمِّيِّ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا، كَمَا لَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لِفُلاَنٍ. أَمَّا لَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لِلْيَهُودِ أَوْ لِلنَّصَارَى أَوْ حَتَّى لَوْ قَال: أَوْصَيْتُ لِفُلاَنٍ الْكَافِرِ فَلاَ تَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ جَعَل الْكُفْرَ حَامِلاً عَلَى الْوَصِيَّةِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيُوَافِقُونَ مَنْ سِوَاهُمْ عَلَى صِحَّةِ وَصِيَّةِ الذِّمِّيِّ لِمُسْلِمٍ. أَمَّا وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِذِمِّيٍّ فَيَرَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ الْجَوَازَ إِذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ، بِأَنْ كَانَتْ لأَِجْل قَرَابَةٍ، وَإِلاَّ كُرِهَتْ. إِذْ لاَ يُوصِي لِلْكَافِرِ وَيَدَعُ الْمُسْلِمَ إِلاَّ مُسْلِمٌ مَرِيضُ الإِْيمَانِ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ كَمَا فِي الطَّحَاوِيِّ عَلَى الدُّرِّ، وَغَيْرِهِ، بِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَوْصَى لِكَافِرٍ مِنْ مِلَّةٍ أُخْرَى جَازَ، اعْتِبَارًا لِلإِْرْثِ، إِذِ الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ (3) .
__________
(1) الطحطاوي على الدر المختار 4 / 312 ط بولاق، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 283، ونهاية المحتاج 7 / 353، وكشاف القناع 6 / 49
(2) سورة الممتحنة / 8
(3) الطحطاوي 4 / 336، والبدائع 7 / 335، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 426، ونهاية المحتاج 6 / 48، وكشاف القناع 4 / 296
ي - الشَّرِكَةُ:
13 - لاَ يَمْنَعُ اخْتِلاَفُ الدِّينِ قِيَامَ الشَّرِكَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ. وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَلاَّ يَنْفَرِدَ الْكَافِرُ بِالتَّصَرُّفِ لأَِنَّهُ يَعْمَل بِالرِّبَا وَلاَ يَحْتَرِزُ مِمَّا يَحْتَرِزُ مِنْهُ الْمُسْلِمُ. قَال الْحَنَابِلَةُ: وَمَا يَشْتَرِيهِ الْكِتَابِيُّ أَوْ يَبِيعُهُ مِنَ الْخَمْرِ بِمَال الشَّرِكَةِ أَوِ الْمُضَارَبَةِ فَإِنَّهُ يَقَعُ فَاسِدًا وَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: شَرِكَةُ الذِّمِّيِّ لِمُسْلِمٍ صَحِيحَةٌ بِقَيْدِ حُضُورِ الْمُسْلِمِ لِتَصَرُّفِ الْكَافِرِ. وَأَمَّا عِنْدَ غَيْبَتِهِ عَنْهُ وَقْتَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَلاَ يَجُوزُ، وَيَصِحُّ بَعْدَ الْوُقُوعِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ إِنْ حَصَل لِلْمُسْلِمِ شَكٌّ فِي عَمَل الذِّمِّيِّ بِالرِّبَا اسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِالرِّبْحِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} (1) وَإِنْ شَكَّ فِي عَمَلِهِ بِالْخَمْرِ اسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِالرِّبْحِ وَرَأْسِ الْمَال جَمِيعًا لِوُجُوبِ إِرَاقَةِ الْخَمْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ. وَإِنْ تَحَقَّقَ وَجَبَ التَّصَدُّقُ. وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الذِّمِّيَّ الْمَجُوسِيَّ تُكْرَهُ مُشَارَكَتُهُ أَصْلاً وَتَصِحُّ بِالْقُيُودِ السَّابِقَةِ. وَالشَّافِعِيَّةُ يُعَمِّمُونَ الْكَرَاهَةَ فِي مُشَارَكَةِ كُل كَافِرٍ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الْمُفَاوَضَةِ خَاصَّةً التَّسَاوِيَ فِي الدِّينِ، فَتَصِحُّ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ، وَبَيْنَ نَصْرَانِيَّيْنِ وَلاَ تَصِحُّ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ؛ لأَِنَّ مِنْ شَرْطِهَا التَّسَاوِي فِي التَّصَرُّفِ " لأَِنَّ الْكَافِرَ إِذَا اشْتَرَى خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا لاَ يَقْدِرُ الْمُسْلِمُ أَنْ يَبِيعَهُ وَكَالَةً مِنْ جِهَتِهِ فَيَفُوتُ شَرْطُ التَّسَاوِي فِي التَّصَرُّفِ ".
وَأَجَازَهَا أَبُو يُوسُفَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَعَلَّل الْكَرَاهَةَ بِأَنَّ الْكَافِرَ لاَ يَهْتَدِي إِلَى الْجَائِزِ مِنَ الْعُقُودِ. وَأَمَّا بَيْنَ
__________
(1) سورة البقرة / 279
الصفحة 312