كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
وَقَدْ يَكُونُ مُظْهِرًا لإِِعْجَابِ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، ذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْعُجْبِ الْجَمَال، وَالْمَال. وَاللِّبَاسَ وَالرُّكُوبَ وَالْمَشْيَ مِنَ الْجَمَال وَالزِّينَةِ. وَكَذَلِكَ فَإِنَّ الْعُجْبَ آفَةٌ نَفْسِيَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى إِظْهَارِ آثَارِهَا، وَلِهَذَا فَقَدْ يَظْهَرُ الْعُجْبُ فِي صُورَةِ اخْتِيَالٍ فِي الْمَشْيِ أَوِ اللِّبَاسِ. . إِلَخْ. أَمَّا التَّبَخْتُرُ فَهُوَ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ الْكِبْرِ، وَالْعُجْبِ، وَالاِخْتِيَال، وَهُوَ خَاصٌّ بِالْمَشْيِ، يُقَال: فُلاَنٌ يَمْشِي البَخْتَرَى، أَيْ مِشْيَةً حَسَنَةً. فَأَهْل هَذَا الْخُلُقِ مُلاَزِمُونَ لِلْفَخْرِ، وَالْخُيَلاَءِ. فَالْمَرِحُ مُخْتَالٌ فِي مِشْيَتِهِ.
صِفَةُ الاِخْتِيَال (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
6 - الأَْصْل فِي الاِخْتِيَال أَنَّهُ حَرَامٌ، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ، لِنَهْيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (ص) عَنْهُ، وَسَيَأْتِي دَلِيل كُل مَظْهَرٍ مِنْ مَظَاهِرِ الاِخْتِيَال عِنْدَ بَيَانِهِ. وَمَظَاهِرُ الاِخْتِيَال كَثِيرَةٌ، مِنْهَا الاِخْتِيَال فِي الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ، وَمِنْهَا الاِخْتِيَال فِي اللِّبَاسِ، وَمِنْهَا الاِخْتِيَال فِي الْبُنْيَانِ.
أ - الاِخْتِيَال فِي الْمَشْيِ:
7 - الاِخْتِيَال فِي الْمَشْيِ يَحْدُثُ بِتَجَاوُزِ الإِْنْسَانِ حَدَّ الْقَصْدِ وَالاِعْتِدَال فِي مِشْيَتِهِ. وَالْقَصْدُ فِي الْمَشْيِ يَكُونُ بَيْنَ الإِْسْرَاعِ وَالْبُطْءِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يُسْرِعُ فِي مِشْيَتِهِ بِأَنْ يَثِبَ وَثْبَ الشُّطَّارِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: سُرْعَةُ الْمَشْيِ مُذْهِبُ بِهَاءِ الْمُؤْمِنِ (1) كَمَا
__________
(1) حديث " سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن " أخرجه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة. قال في الميزان: " حديث منكر جدا " (فيض القدير 4 / 104)
أَنَّهُ لاَ يُبْطِئُ فِي مِشْيَتِهِ بِحَيْثُ يَدِبُّ عَلَى الأَْرْضِ دَبِيبَ الْمُتَمَاوِتِينَ الْمُتَثَاقِلِينَ.
وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِالْقَصْدِ فِي الْمَشْيِ، فَقَال تَعَالَى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} (1) ، كَمَا امْتَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ يَقْتَصِدُ فِي مِشْيَتِهِ وَلاَ يَتَجَاوَزُ الاِعْتِدَال بِقَوْلِهِ: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَْرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا} . (2)
وَمِنْ ثَمَّ إِذَا تَجَاوَزَ الإِْنْسَانُ حَدَّ الاِعْتِدَال (3) وَالْقَصْدِ فِي الْمَشْيِ يَكُونُ قَدْ وَقَعَ فِي الْمَحْظُورِ، وَهُوَ الاِخْتِيَال. وَالأَْصْل فِي تَحْرِيمِ الاِخْتِيَال فِي الْمَشْيِ وَأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَْرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَْرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَال طُولاً كُل ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} . (4)
وَالْمُرَادُ بِالْمَرَحِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ هُوَ الْخُيَلاَءُ فِي الْمَشْيِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ نَهَى عَنِ الْخُيَلاَءِ وَأَمَرَ بِالتَّوَاضُعِ. وَقَدِ اسْتَدَل الْعُلَمَاءُ بِالآْيَةِ عَلَى ذَمِّ الاِخْتِيَال. وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعْقَبَ النَّهْيَ عَنِ الْمَرَحِ بِأَنَّ ذَلِكَ عَمَلٌ سَيِّئٌ مَكْرُوهٌ، فِي: {كُل ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} فَهَذَا يَدُل عَلَى حَظْرِهِ وَتَحْرِيمِهِ، كَمَا أَنَّهُ قَرَنَهُ بِالزِّنَا وَالْقَتْل وَسَائِرِ الْكَبَائِرِ، فَدَل عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْكَبَائِرِ (5) . وَمِنْ مَعَانِي الْمَرَحِ: الْكِبْرُ، وَتَجَاوُزُ الإِْنْسَانِ
__________
(1) سورة لقمان / 18
(2) سورة الفرقان / 63
(3) تفسير القرطبي 7 / 261
(4) سورة الإسراء / 37، 38
(5) تفسير القرطبي 7 / 261
الصفحة 320