كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
فِي آخِرِهِ، كَمَنْ كَانَ أَهْلاً لِلصَّلاَةِ فِي أَوَّل الْوَقْتِ، فَلَمْ يُصَل حَتَّى طَرَأَ عَلَيْهِ آخِرَ الْوَقْتِ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنَ الأَْدَاءِ، كَمَا إِذَا حَاضَتِ الطَّاهِرَةُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَوْ نَفِسَتْ أَوْ جُنَّ الْعَاقِل أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوِ ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الْفَرْضَ. فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يَلْزَمُهُمُ الْفَرْضُ؛ لأَِنَّ الْوُجُوبَ وَالأَْهْلِيَّةَ ثَابِتَةٌ فِي أَوَّل الْوَقْتِ فَيَلْزَمُهُمُ الْقَضَاءُ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَلاَ يَلْزَمُهُمُ الْفَرْضُ؛ لأَِنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَيَّنُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ إِذَا لَمْ يُوجَدِ الأَْدَاءُ قَبْلَهُ، فَيَسْتَدْعِي الأَْهْلِيَّةَ فِيهِ؛ لاِسْتِحَالَةِ الإِْيجَابِ عَلَى غَيْرِ الأَْهْل، وَلَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ. وَهُوَ أَيْضًا رَأْيُ الإِْمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَرَفَةَ، خِلاَفًا لِبَعْضِ أَهْل الْمَدِينَةِ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ حَيْثُ الْقَضَاءُ عِنْدَهُمْ أَحْوَطُ.
أَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً فِي أَوَّل الْوَقْتِ، ثُمَّ زَال الْعُذْرُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، كَمَا إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَأَقَامَ الْمُسَافِرُ أَوْ سَافَرَ الْمُقِيمُ فَلِلْحَنَفِيَّةِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْل زُفَرَ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْفَرْضُ وَلاَ يَتَغَيَّرُ الأَْدَاءُ إِلاَّ إِذَا بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُ فِيهِ أَدَاءُ الْفَرْضِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي لِلْكَرْخِيِّ وَأَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ: أَنَّهُ يَجِبُ الْفَرْضُ وَيَتَغَيَّرُ الأَْدَاءُ إِذَا بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجِبُ الْفَرْضُ إِذَا بَقِيَ مِنَ
الْوَقْتِ مِقْدَارُ رَكْعَةٍ مَعَ زَمَنٍ يَسَعُ الطُّهْرَ، وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ إِذَا بَقِيَ مِقْدَارُ رَكْعَةٍ فَقَطْ (1) .
هَذَا مِثَالٌ لاِعْتِبَارِ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ. وَلِمَعْرِفَةِ التَّفَاصِيل (ر: أَهْلِيَّةٌ. حَجٌّ. صَلاَةٌ. صَوْمٌ) .
11 - أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الأَْدَاءِ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ أَدَاءُ الْعِبَادَةِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الشَّرْعُ، فَفِي الصَّلاَةِ مَثَلاً يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَدَاؤُهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَرَدَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ لِمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (2) ، فَمَنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ الصَّلاَةِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوعَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالصِّفَةِ الَّتِي يَسْتَطِيعُ بِهَا أَدَاءَ الصَّلاَةِ، فَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ صَلَّى جَالِسًا، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ. وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (3) ، وَهَكَذَا (4) ، وَكَذَلِكَ الْعَاجِزُ عَنِ الصَّوْمِ لِشَيْخُوخَةٍ أَوْ مَرَضٍ لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (5) مَعَ
__________
(1) بدائع الصنائع 1 / 95، 96، والمهذب 1 / 60، 61، ومنح الجليل 1 / 111 - 114، والفروق للقرافي 2 / 137، والكافي 1 / 238، والدسوقي 1 / 185، 186 ط دار الفكر، والمغني 1 / 373، 396، 397، نشر مكتبة الرياض الحديثة.
(2) متفق عليه (تلخيص الحبير 1 / 217 و 2 / 122)
(3) أخرجه البخاري والنسائي (تلخيص الحبير 1 / 225)
(4) المغني 4 / 143 ط الرياض، والمهذب 1 / 108 ط دار المعرفة بيروت، ومنح الجليل 1 / 165، 166، والدسوقي 1 / 257 وما بعدها والبدائع 1 / 106
(5) سورة الحج / 78
الصفحة 332