كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)

الاِخْتِلاَفِ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَعَدَمِهَا، فَقِيل: تَجِبُ عَنْ كُل يَوْمٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَقِيل: لاَ تَجِبُ (1) . وَالْحَجُّ أَيْضًا لاَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ إِلاَّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ بِالْمَال وَالْبَدَنِ وَالْمَحْرَمِ أَوِ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ. فَمَنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ (2) ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً (3) } .
12 - وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالزَّكَاةِ فَنَظَرًا لِلأَْهْلِيَّةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَال الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، لأَِنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْمَال، وَيُؤَدِّي عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا، وَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْوَلِيِّ فِي الإِْخْرَاجِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الزَّكَاةُ؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا (4) .
وَكَذَلِكَ مَنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ وَقْتَ الْوُجُوبِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ حَالُهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: الْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الأَْدَاءِ لاَ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ أَحَدُ الأَْقْوَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَلَوْ كَانَ مُوسِرًا وَقْتَ الْوُجُوبِ جَازَ لَهُ الصَّوْمُ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ لاَ بِوَقْتِ الأَْدَاءِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ
__________
(1) المهذب 1 / 185 ومنتهى الإرادات 1 / 443 ط دار الفكر، ومنح الجليل 1 / 392، والدسوقي 1 / 516، وابن عابدين 2 / 123 ط الثالثة.
(2) المهذب 1 / 203، ومنتهى الإرادات 2 / 2، والكافي 1 / 356 ط مكتبة الرياض، والبدائع 2 / 118
(3) سورة آل عمران / 97
(4) المغني 2 / 622، ومنح الجليل 1 / 344، والمهذب 1 / 147، وبدائع الصنائع 2 / 4، 5
لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَغْلَظُ الأَْحْوَال مِنْ حِينِ الْوُجُوبِ إِلَى حِينِ التَّكْفِيرِ (1) .

تَعْجِيل الأَْدَاءِ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ أَوْ سَبَبِهِ:
13 - الْعِبَادَاتُ الْمُوَقَّتَةُ بِوَقْتٍ، وَالَّتِي يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ سَبَبًا لِوُجُوبِهَا، كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ فَإِنَّ الْوَقْتَ فِيهِمَا سَبَبُ الْوُجُوبِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ (2) } ، وقَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (3) } . هَذِهِ الْعِبَادَاتُ لاَ يَجُوزُ تَعْجِيل الأَْدَاءِ فِيهَا عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. أَمَّا الْعِبَادَاتُ الَّتِي لاَ يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ سَبَبًا لِوُجُوبِهَا، وَإِنْ كَانَ شَرْطًا فِيهَا، كَالزَّكَاةِ، أَوِ الْمُطْلَقَةِ الْوَقْتِ كَالْكَفَّارَاتِ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي جَوَازِ تَعْجِيل الأَْدَاءِ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا أَوْ عَنْ أَسْبَابِهَا: فَفِي الزَّكَاةِ مَثَلاً يَجُوزُ تَعْجِيل الأَْدَاءِ قَبْل الْحَوْل مَتَى تَمَّ النِّصَابُ، وَذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسَلَّفَ مِنَ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ زَكَاةَ عَامَيْنِ (4) ؛ وَلأَِنَّهُ حَقُّ مَالٍ أُجِّل لِلرِّفْقِ، فَجَازَ تَعْجِيلُهُ قَبْل مَحِلِّهِ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّل.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ إِخْرَاجُ الْوَاجِبِ قَبْل تَمَامِ الْحَوْل إِلاَّ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ كَالشَّهْرِ. وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا عَنْ وَقْتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَلاَ يَجُوزُ
__________
(1) البدائع 5 / 97، والكافي 1 / 454، ونهاية المحتاج 8 / 174، والمهذب 2 / 116، والمغني 7 / 381
(2) سورة الإسراء / 78
(3) سورة البقرة / 85
(4) أخرجه الطبراني والبزار من حديث ابن مسعود وفي إسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف (تلخيص الحبير 2 / 163)

الصفحة 333