كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
بِهَا الشَّرْعُ. وَمَنِ امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا فَإِنْ كَانَ جَاحِدًا لَهَا فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ كَافِرًا يُقْتَل كُفْرًا بَعْدَ أَنْ يُسْتَتَابَ. وَإِنِ امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا كَسَلاً فَفِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، كَالصَّلاَةِ يُؤَدَّبُ وَيُعَزَّرُ، وَيُتْرَكُ إِلَى أَنْ يَتَضَيَّقَ الْوَقْتُ، فَإِنْ ظَل عَلَى امْتِنَاعِهِ قُتِل حَدًّا لاَ كُفْرًا، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُحْبَسُ أَبَدًا حَتَّى يُصَلِّيَ. وَفِي الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالزَّكَاةِ إِنِ امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا بُخْلاً فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ كُرْهًا، وَيُقَاتَل عَلَيْهَا كَمَا فَعَل أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَانِعِي الزَّكَاةِ، أَمَّا تَارِكُ الْحَجِّ كَسَلاً فَسَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ عَلَى التَّرَاخِي فَإِنَّهُ يُتْرَكُ، وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِهِ وَيُدَيَّنُ لأَِنَّ شَرْطَهُ الاِسْتِطَاعَةُ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ بَاطِنِيٌّ لَمْ يُعْرَفْ.
24 - أَمَّا غَيْرُ الْوَاجِبَاتِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَنْدُوبًا أَوْ سُنَّةً أَوْ نَافِلَةً فَهُوَ مَا يُثَابُ فَاعِلُهُ وَلاَ يُذَمُّ تَارِكُهُ، وَهَذَا عَلَى الْجُمْلَةِ؛ لأَِنَّ مِنَ السُّنَّةِ مَا يُعْتَبَرُ إِظْهَارًا لِلدِّينِ، وَتَرْكُهَا يُوجِبُ إِسَاءَةً وَكَرَاهِيَةً، وَذَلِكَ كَالْجَمَاعَةِ وَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ؛ لأَِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، وَفِي تَرْكِهَا تَهَاوُنٌ بِالشَّرْعِ، وَلِذَلِكَ لَوِ اتَّفَقَ أَهْل بَلْدَةٍ عَلَى تَرْكِهَا وَجَبَ قِتَالُهُمْ بِخِلاَفِ سَائِرِ الْمَنْدُوبَاتِ؛ لأَِنَّهَا تُفْعَل فُرَادَى (1) .
أَثَرُ الأَْدَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ:
25 - أَدَاءُ الْعِبَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ بِاسْتِيفَاءِ أَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا يَسْتَلْزِمُ الإِْجْزَاءَ وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ عَلَى
__________
(1) الاختيار 1 / 103 والبدائع 1 / 141، 311، والمهذب 1 / 58، 62، 125، 183 و 2 / 228 ومنتهى الإرادات 1 / 117، 122، 305، 336، ومنح الجليل 1 / 117، 710 والتلويح على التوضيح 2 / 124، وشرح البدخشي 1 / 47، وابن عابدين 1 / 72 والشرح الصغير 1 / 246
تَفْسِيرِ الإِْجْزَاءِ بِمَعْنَى الاِمْتِثَال بِالإِْتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ. وَأَنَّ ذَلِكَ يُبَرِّئُ الذِّمَّةَ بِغَيْرِ خِلاَفٍ، وَعَلَى تَفْسِيرِ الإِْجْزَاءِ بِمَعْنَى إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ، خِلاَفًا لِعَبْدِ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيِّ مِنْ أَنَّهُ لاَ يَسْتَلْزِمُهُ. وَالْفِعْل الْمُؤَدَّى عَلَى وَجْهِهِ الْمَشْرُوعِ يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ، وَإِلاَّ فَبِالْفَسَادِ أَوِ الْبُطْلاَنِ، مَعَ تَفْرِيقِ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل. وَالصِّحَّةُ أَعَمُّ مِنَ الإِْجْزَاءِ؛ لأَِنَّهَا تَكُونُ صِفَةً لِلْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ، أَمَّا الإِْجْزَاءُ فَلاَ يُوصَفُ بِهِ إِلاَّ الْعِبَادَاتُ (1) .
وَإِذَا كَانَتِ الْعِبَادَاتُ الْمُسْتَجْمَعَةُ شَرَائِطُهَا وَأَرْكَانُهَا تُبَرِّئُ الذِّمَّةَ بِلاَ خِلاَفٍ فَإِنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِي تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى هَذِهِ الْعِبَادَةِ أَوْ عَدَمِ تَرَتُّبِهِ، فَقِيل: إِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنْ إِبْرَاءِ الذِّمَّةِ تَرَتُّبُ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْل، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ يُبَرِّئُ الذِّمَّةَ بِالْفِعْل وَلاَ يُثِيبُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْقَبُول، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ الْقَبُول وَالثَّوَابَ غَيْرُ الإِْجْزَاءِ وَغَيْرُ الْفِعْل الصَّحِيحِ. وَقِيل: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الشَّرْعِ وَاجِبٌ صَحِيحٌ يُجْزِئُ إِلاَّ وَهُوَ مَقْبُولٌ مُثَابٌ عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى قَاعِدَةِ سَعَةِ الثَّوَابِ، وَالآْيَاتِ وَالأَْحَادِيثِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِوَعْدِ الْمُطِيعِ بِالثَّوَابِ (2) .
__________
(1) جمع الجوامع 1 / من 100الى 105 ط مصطفى الحلبي الثانية، والبدخشي من 1 / 57 إلى 60 وما بعدها ط صبيح، ومسلم الثبوت 1 / 120، 393، والتلويح 2 / 122
(2) الفروق للقرافي 2 / 50 وما بعدها، وهامش الفروق 2 / 78 ط دار المعرفة بيروت.
الصفحة 339