كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
ذَلِكَ بِفِعْل الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَبِمَبَادِئِ الشَّرِيعَةِ، أَمَّا فِعْل الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: فَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَصَنِيعُهُمَا بِبَيْتِ الْمَال، قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ: " اقْسِمْ بَيْتَ مَال الْمُسْلِمِينَ فِي كُل شَهْرٍ مَرَّةً، اقْسِمْ بَيْتَ مَال الْمُسْلِمِينَ فِي كُل جُمُعَةٍ مَرَّةً، اقْسِمْ بَيْتَ مَال الْمُسْلِمِينَ فِي كُل يَوْمٍ مَرَّةً "، ثُمَّ قَال رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَبْقَيْتَ فِي بَيْتِ الْمَال بَقِيَّةً تَعُدُّهَا لِنَائِبَةٍ أَوْ صَوْتِ مُسْتَغِيثٍ، فَقَال عُمَرُ لِلرَّجُل الَّذِي كَلَّمَهُ: جَرَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ، لَقَّنَنِي اللَّهُ حُجَّتَهَا وَوَقَانِي شَرَّهَا، أُعِدُّ لَهَا مَا أَعَدَّ لَهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (1) . وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَمَا كَانَ عُمَرُ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعْطَى الْعَطَاءَ فِي سَنَةٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ آتَاهُ مَالٌ مِنْ أَصْبَهَانَ، فَقَال: اغْدُوا إِلَى عَطَاءٍ رَابِعٍ، إِنِّي لَسْتُ بِخَازِنٍ (2) .
وَأَمَّا مَبَادِئُ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّهَا تَفْرِضُ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامَ بِرَفْعِ النَّوَائِبِ عِنْدَ نُزُولِهَا (3) .
الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: أَنَّ عَلَى الدَّوْلَةِ ادِّخَارَ هَذَا الْفَائِضِ عَنْ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَال لِمَا يَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَادِثٍ، لأَِنَّ ذَلِكَ تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ سُرْعَةِ التَّصَرُّفِ لِرَفْعِ النَّائِبَاتِ عَنْهُمْ (4) . وَإِلَى هَذَا
__________
(1) سنن البيهقي 6 / 357، وكنز العمال برقم 11652
(2) الأموال لأبي عبيد ص 570، وتاريخ ابن عساكر 3 / 181، في ترجمة علي بن أبي طالب برقم 1220، وكنز العمال برقم 11703
(3) الأحكام السلطانية للماوردي ص 215، ولأبي يعلى ص 237
(4) الأحكام السلطانية للماوردي ص 215، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 237
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (1) ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ (2) .
الاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ لِلْمَالِكِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا اسْتَوَتِ الْحَاجَةُ فِي كُل الْبُلْدَانِ فَإِنَّ الإِْمَامَ يَبْدَأُ بِمَنْ جُبِيَ فِيهِمُ الْمَال حَتَّى يَغْنَوْا غِنَى سَنَةٍ، ثُمَّ يَنْقُل مَا فَضَل لِغَيْرِهِمْ وَيُوقِفُ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ غَيْرُ فُقَرَاءِ الْبَلَدِ أَكْثَرَ حَاجَةً فَإِنَّ الإِْمَامَ يَصْرِفُ الْقَلِيل لأَِهْل الْبَلَدِ الَّذِي جُبِيَ فِيهِمُ الْمَال ثُمَّ يَنْقُل الأَْكْثَرَ لِغَيْرِهِمْ (3) .
ادِّخَارُ الأَْفْرَادِ:
5 - الأَْمْوَال فِي يَدِ الأَْفْرَادِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ أَقَل مِنَ النِّصَابِ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنَ النِّصَابِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ أُدِّيَتْ زَكَاتُهَا أَوْ لَمْ تُؤَدَّ، فَإِنْ أُدِّيَتْ زَكَاتُهَا فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَنْ حَاجَاتِهِ الأَْصْلِيَّةِ أَوْ غَيْرَ زَائِدَةٍ عَنْ حَاجَاتِهِ الأَْصْلِيَّةِ.
6 - فَإِنْ كَانَتِ الأَْمْوَال الَّتِي بِيَدِ الْفَرْدِ دُونَ. النِّصَابِ حَل ادِّخَارُهَا (4) ؛ لأَِنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ قَلِيلٌ، وَالْمَرْءُ لاَ يَسْتَغْنِي عَنِ ادِّخَارِ الْقَلِيل وَلاَ تَقُومُ حَاجَاتُهُ بِغَيْرِهِ.
7 - وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنَ النِّصَابِ، وَصَاحِبُهَا لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، فَهُوَ ادِّخَارٌ حَرَامٌ، وَهُوَ اكْتِنَازٌ بِالاِتِّفَاقِ (5) . قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
__________
(1) اللجنة ترى أن للسياسة الشرعية مدخلا في الأخذ بأحد هذين الاتجاهين بحسب استمرار الموارد، أو انقطاعها.
(2) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 237
(3) الخرشي 3 / 129
(4) فتح الباري 3 / 210
(5) انظر تفسير القرطبي والطبري وأحكام القرآن للجصاص كلهم في تفسير الآية / 34 من سورة التوبة، وهي قوله تعالى: " والذين يكنزون الذهب والفضة. . . ".
الصفحة 347