كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)

ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُوتُ وَعِنْدَهُ أَحْمَرُ أَوْ أَبْيَضُ إِلاَّ جَعَل اللَّهُ بِكُل قِيرَاطٍ صَفْحَةً مِنْ نَارٍ يُكْوَى بِهَا مِنْ قَدَمِهِ إِلَى ذَقَنِهِ. (1)
وَعَنْ ثَوْبَانَ قَال: كُنَّا فِي سَفَرٍ وَنَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال الْمُهَاجِرُونَ: لَوَدِدْنَا أَنَّا عَلِمْنَا أَيَّ الْمَال نَتَّخِذُهُ، إِذْ نَزَل فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا نَزَل، فَقَال عُمَرُ: إِنْ شِئْتُمْ سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: أَجَل، فَانْطَلَقَ، فَتَبِعْتُهُ أُوضِعُ عَلَى بَعِيرِي، فَقَال يَا رَسُول اللَّهِ: إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ لَمَّا أَنْزَل اللَّهُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أَنْزَل قَالُوا: وَدِدْنَا أَنَّا عَلِمْنَا أَيَّ الْمَال خَيْرٌ نَتَّخِذُهُ، قَال: نَعَمْ، فَيَتَّخِذُ أَحَدُكُمْ لِسَانًا ذَاكِرًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا، وَزَوْجَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى إِيمَانِهِ. (2)
9 - وَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّ ادِّخَارَ الأَْمْوَال يَكُونُ حَرَامًا وَإِنْ أَدَّى الْمُدَّخِرُ زَكَاتَهَا إِذَا لَمْ يُؤَدِّ صَاحِبُهَا الْحُقُوقَ الْعَارِضَةَ فِيهَا، كَإِطْعَامِ الْجَائِعِ، وَفَكِّ الأَْسِيرِ
__________
(1) حديث: " ما من رجل يموت. . . "، أخرجه ابن أبي حاتم عن ثوبان (تفسير ابن كثير 3 / 393 ط الأندلس) .
(2) تفسير ابن كثير، وتفسير الطبري، والقرطبي، وأحكام القرآن للجصاص لآية: " والذين يكنزون الذهب والفضة. . " وعمدة القاري 8 / 248، وفتح الباري 3 / 210، وحديث ثوبان أخرجه أحمد في مسنده (5 / 82 ط الميمنية) ، وابن ماجه 1 / 596 ط الحلبي) ، والترمذي (11 / 238 ط الصاوي) ، ببعض اختلاف في اللفظ وقال: حديث حسن.
وَتَجْهِيزِ الْغَازِي وَنَحْوِ ذَلِكَ (1) .
وَذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل لِرَجُلٍ أَنْ يَدَّخِرَ أَرْبَعَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَ وَإِنْ أَدَّى زَكَاتَهَا، وَكَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُول: " أَرْبَعَةُ آلاَفِ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَهَا نَفَقَةٌ، وَمَا فَوْقَهَا كَنْزٌ (2) ".
وَكَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى أَنَّ الْقِيَامَ بِالْحَاجَاتِ الأَْصْلِيَّةِ لِلْمَرْءِ لاَ يَتَطَلَّبُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ آلاَفِ دِرْهَمٍ فِي أَحْسَنِ الأَْحْوَال (3) ، فَإِنْ حَبَسَ الشَّخْصُ مَبْلَغًا أَكْبَرَ مِنْ هَذَا فَقَدْ حَبَسَ خَيْرَهُ عَنِ النَّاسِ، وَعَنِ الْفُقَرَاءِ بِشَكْلٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَمْرٌ لاَ يَجُوزُ، فَقَدْ كَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُول: " إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى الأَْغْنِيَاءِ فِي أَمْوَالِهِمْ مَا يَكْفِي فُقَرَاءَهُمْ، وَإِنْ جَاعُوا وَعَرُوا وَجَهَدُوا فَبِمَنْعِ الأَْغْنِيَاءِ، وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُحَاسِبَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهِ (4) .

صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
10 - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِدِّخَارِ بِاخْتِلاَفِ الْبَاعِثِ عَلَيْهِ:
فَإِنْ كَانَ ادِّخَارُ مَا يَتَضَرَّرُ النَّاسُ بِحَبْسِهِ طَلَبًا لِلرِّبْحِ، فَذَلِكَ مِمَّا يَدْخُل فِي بَابِ الاِحْتِكَارِ
__________
(1) تفسير القرطبي 8 / 125، ط دار الكتب " والمجموع 5 / 274
(2) انظر تفسير الطبري وابن كثير والقرطبي والجصاص لآية: " والذين يكنزون الذهب والفضة " وعمدة القاري 8 / 249، وأثر علي رضي الله عنه أخرجه عبد الرزاق (المصنف 4 / 109 ط سنة 1391 هـ) .
(3) اللجنة: هذا الرأي يناسب عصره، إذ أن مبلغ الأربعة آلاف كان يكفي حاجة أي إنسان.
(4) كنز العمال برقم 16840، ط حلب، والأموال لأبي عبيد ص 595

الصفحة 349