كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
(ر: احْتِكَارٌ) . وَإِنْ كَانَ لِتَأْمِينِ حَاجَاتِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ فَهُوَ الاِدِّخَارُ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الاِدِّخَارِ فِي الْجُمْلَةِ دُونَ تَقْيِيدٍ بِمُدَّةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الأَْوْجَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَلَهُمْ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يُكْرَهُ ادِّخَارُ مَا فَضَل عَنْ كِفَايَتِهِ لِمُدَّةِ سَنَةٍ (1) .
وَدَلِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ: مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَال، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَل مَال اللَّهِ، فَعَمِل بِذَلِكَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيَاتَهُ (2) . وَبِمَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبِيعُ نَخْل بَنِي النَّضِيرِ وَيَحْبِسُ؛ لأَِهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ (3) .
عَلَى أَنَّ الْحَطَّابَ نَقَل عَنِ النَّوَوِيِّ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ عِنْدَ إِنْسَانٍ (أَيْ مَا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ) أَوِ اضْطُرَّ النَّاسُ إِلَيْهِ وَلَمْ يَجِدُوا غَيْرَهُ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ. وَهُوَ مَا يَتَّفِقُ مَعَ قَاعِدَةِ: (يُتَحَمَّل الضَّرَرُ الْخَاصُّ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَامٍّ) .
ادِّخَارُ لُحُومِ الأَْضَاحِي:
11 - يَجُوزُ ادِّخَارُ لُحُومِ الأَْضَاحِي فَوْقَ ثَلاَثٍ فِي قَوْل
__________
(1) حاشية الجمل 3 / 93، وشرح الحطاب على مختصر خليل 4 / 227 - 228، ومطالب أولي النهى 3 / 65، والمحلى 9 / 64 ومجلة الأحكام العدلية م 26
(2) حديث:، (حبس نفقة سنة. . " أخرجه البخاري في النفقات ومسلم والترمذي.
(3) حديث: " بيع نخل بني النضير) ، أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري 9 / 501)
عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ. وَلَمْ يُجِزْهُ عَلِيٌّ وَلاَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَْضَاحِي فَوْقَ ثَلاَثٍ (1) .
وَلِلْجُمْهُورِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَْضَاحِي فَوْقَ ثَلاَثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ - وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ. فَكُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا. وَقَال أَحْمَدُ فِيهِ أَسَانِيدُ صِحَاحٌ. أَمَّا عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ فَلَمْ يَبْلُغْهُمَا تَرْخِيصُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ كَانُوا سَمِعُوا النَّهْيَ فَرَوَوْا عَلَى مَا سَمِعُوا (2) .
ادِّخَارُ الدَّوْلَةِ الضَّرُورِيَّاتِ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ:
12 - إِذَا تَوَقَّعَتِ الدَّوْلَةُ نُزُول نَازِلَةٍ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ جَائِحَةٍ أَوْ قَحْطٍ أَوْ حَرْبٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَدَّخِرَ لَهُمْ مِنَ الأَْقْوَاتِ وَالضَّرُورِيَّاتِ مَا يَنْهَضُ بِمَصَالِحِهِمْ، وَيُخَفِّفُ عَنْهُمْ شِدَّةَ هَذِهِ النَّازِلَةِ، وَاسْتُدِل لِذَلِكَ بِقِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ مَلِكِ مِصْرَ. وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلَيْسَ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ، فَقَال جَل شَأْنُهُ: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (3) قَال تَزْرَعُونَ
__________
(1) " النهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث. . . " ثبت في حديث متفق عليه عن عائشة مرفوعًا.
(2) المغني مع الشرح الكبير 11 / 110 ط الأولى بالمنار.
(3) سورة يوسف / 46
الصفحة 350