كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
أَمَّا الْفُقَهَاءُ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَهُمُ الْعَامَّ لِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ (أَذًى، ضَرَرٌ) يَدُل عَلَى أَنَّهُمْ يَعْتَمِدُونَ هَذَا الْفَرْقَ وَيُرَاعُونَهُ فِي كَلاَمِهِمْ، فَهُمْ يَقُولُونَ: عَلَى الطَّائِفِ حَوْل الْكَعْبَةِ أَلاَّ يُؤْذِيَ فِي طَوَافِهِ أَحَدًا (1) ، وَيَقُولُونَ: عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَلاَّ يُؤْذُوا أَحَدًا مِنْ أَهْل الْهُدْنَةِ مَا دَامُوا فِي هُدْنَتِهِمْ (2) ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. بَيْنَمَا هُمْ يَقُولُونَ: لاَ يَجُوزُ لِمَرِيضٍ أَنْ يُفْطِرَ إِنْ كَانَ لاَ يَتَضَرَّرُ بِالصَّوْمِ (3) .
وَيَقُولُونَ: ضَمَانُ الضَّرَرِ، وَلاَ يَقُولُونَ: ضَمَانُ الأَْذَى، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
فَنِسْبَةُ الأَْذَى لِلضَّرَرِ كَنِسْبَةِ الصَّغَائِرِ إِلَى الْكَبَائِرِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
أ - الأَْذَى بِمَعْنَى الضَّرَرِ الْبَسِيطِ:
3 - الأَْذَى حَرَامٌ، وَتَرْكُهُ وَاجِبٌ بِالاِتِّفَاقِ (4) مَا لَمْ يُعَارَضْ بِمَا هُوَ أَشَدُّ، فَعِنْدَئِذٍ يُرْتَكَبُ الأَْذَى، عَمَلاً بِالْقَاعِدَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا: يُرْتَكَبُ أَخَفُّ الضَّرَرَيْنِ لاِتِّقَاءِ أَشَدِّهِمَا (5) . وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: كِتَابُ الْحَجِّ، عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى لَمْسِ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ، وَفِي كِتَابِ الرِّقِّ، عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى مُعَامَلَةِ الرَّقِيقِ، وَفِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْكَثِيرُ مِنْ هَذَا الْقَبِيل.
ب -
__________
(1) حاشية ابن عابدين 2 / 66، طبع بولاق الأولى.
(2) حاشية قليوبي 4 / 238، طبع مصطفى البابي الحلبي.
(3) الفروع 2 / 21، طبع مطبعة المنار سنة 1341 هـ
(4) انظر: الدر المختار بحاشية ابن عابدين 2 / 166، طبع بولاق الأولى، وحاشية قليوبي 4 / 94 و 238، والفروع 2 / 388
(5) انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم بحاشية الحموي ص 120
الأَْذَى بِمَعْنَى الشَّيْءِ الْمُؤْذِي:
4 - يُنْدَبُ إِزَالَةُ الأَْشْيَاءِ الْمُؤْذِيَةِ لِلْمُسْلِمِينَ أَيْنَمَا وُجِدَتْ، فَقَدِ اعْتَبَرَ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَاطَةَ الأَْذَى عَنِ الطَّرِيقِ مِنَ الإِْيمَانِ بِقَوْلِهِ: الإِْيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَْذَى عَنِ الطَّرِيقِ. (1)
وَقَال أَبُو بَرْزَةَ: يَا رَسُول اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَال: اعْزِل الأَْذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ. (2) وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِنَبْلِهِ فِي مَكَانٍ يَكْثُرُ فِيهِ النَّاسُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ بِنَصْلِهِ؛ لِئَلاَّ يُؤْذِيَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (3) . وَمَنْ رَأَى عَلَى أَخِيهِ أَذًى فَعَلَيْهِ أَنْ يُمِيطَهُ عَنْهُ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآةُ أَخِيهِ، فَإِنْ رَأَى بِهِ أَذًى فَلْيُمِطْهُ عَنْهُ (4) .
وَالْمَوْلُودُ يُحْلَقُ شَعْرُهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَيُمَاطُ عَنْهُ الأَْذَى (5) .
__________
(1) حديث: (الأيمان بضع وسبعون شعبة. . . .) أخرجه مسلم في كتاب الأيمان باب عدد شعب الأيمان.
(2) حديث: (اعزل الأذى. . . .) أخرجه مسلم - انظر شرح النووي لمسلم 16 / 171، طبع المطبعة الأزهرية، والإمام أحمد في المسند 4 / 423، الطبعة الأولى.
(3) شرح النووي لمسلم 16 / 169
(4) حديث " إن أحدكم مرآة. . . " أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال: " يحيى بن عبيد الله ضعفه شعبة، وفي الباب عن أنس " وأخرجه الطبراني في الأوسط، والضياء بلفظ: " المؤمن مرآة المؤمن " قال المناوي: بإسناد حسن (تحفة الأحوذي 2 / 416 ط. التجارية) .
(5) مسند الإمام أحمد 4 / 18، والمغني 8 / 646، طبع المنار الثالثة.
الصفحة 356