كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)

وَالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْل فَقَدِ اعْتَبَرَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بِدْعَةً حَسَنَةً، وَقَال عَنْهُ الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ مِنَ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ، وَلاَ يَلْزَمُ فِعْلُهُ وَلَوْ شَرَطَهُ الْوَاقِفُ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ (1) .

الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الأَْذَانِ:
15 - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُؤَذِّنِ بَعْدَ الأَْذَانِ سُنَّةٌ، وَعِنْدَهُمْ يُسَنُّ لِلْمُؤَذِّنِ مُتَابَعَةُ قَوْلِهِ سِرًّا مِثْلَهُ كَالْمُسْتَمِعِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ أَدَاءِ الأَْذَانِ وَالْمُتَابَعَةِ، وَرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ فَقَال كَلِمَةً مِنَ الأَْذَانِ قَال مِثْلَهَا سِرًّا؛ لِيَكُونَ مَا يُظْهِرُهُ أَذَانًا وَدُعَاءً إِلَى الصَّلاَةِ، وَمَا يُسِرُّهُ ذِكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَمِعَ الأَْذَانَ.
بِذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَشْمَل الْمُؤَذِّنَ الأَْمْرُ الْوَارِدُ فِي قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْل مَا يَقُول، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَل اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ (2) .
وَاعْتَبَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِدْعَةً حَسَنَةً وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الْبِشْبِيشِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِالتُّحْفَةِ السَّنِيَّةِ فِي أَجْوِبَةِ الأَْسْئِلَةِ الْمَرْضِيَّةِ أَنَّ أَوَّل مَا زِيدَتِ
__________
(1) الحطاب 1 / 430، وكشاف القناع 1 / 221
(2) منتهى الإرادات 1 / 130، والمغني 1 / 428، ومغني المحتاج 1 / 141. وحديث: " إذا سمعتم المؤذن. . . " رواه مسلم (صحيح مسلم 1 / 288)
الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ كُل أَذَانٍ عَلَى الْمَنَارَةِ زَمَنَ السُّلْطَانِ الْمَنْصُورِ حَاجِّيِّ بْنِ الأَْشْرَفِ شَعْبَانَ وَذَلِكَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ 791 هـ وَكَانَ قَدْ حَدَثَ قَبْل ذَلِكَ فِي أَيَّامِ السُّلْطَانِ يُوسُفَ صَلاَحِ الدِّينِ بْنِ أَيُّوبَ أَنْ يُقَال قَبْل أَذَانِ الْفَجْرِ فِي كُل لَيْلَةٍ بِمِصْرَ وَالشَّامِ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُول اللَّهِ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى سَنَةِ 777 هـ فَزِيدَ فِيهِ بِأَمْرِ الْمُحْتَسِبِ صَلاَحِ الدِّينِ الْبُرُلُّسِيِّ أَنْ يُقَال: الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُول اللَّهِ ثُمَّ جَعَل ذَلِكَ عَقِبَ كُل أَذَانٍ سَنَةَ (791) هـ (1) .

النِّدَاءُ بِالصَّلاَةِ فِي الْمَنَازِل:
16 - يَجُوزُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَقُول عِنْدَ شِدَّةِ الْمَطَرِ أَوِ الرِّيحِ أَوِ الْبَرْدِ: أَلاَ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ الأَْذَانِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلاَةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، ثُمَّ قَال: أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَال، ثُمَّ قَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ أَنْ يَقُول: أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَال (2) ، وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِذَا ابْتَلَّتِ النِّعَال فَالصَّلاَةُ فِي الرِّحَال (3) .
__________
(1) ابن عابدين 1 / 261، والدسوقي 1 / 193 ط دار الفكر.
(2) حديث ابن عمر " أنه أذن. . . " أخرجه النسائي (2 / 15)
(3) هامثس الحطاب 1 / 427، ومنتهى الإرادات 1 / 281، والمجموع 3 / 129 - 130، والشلبي على الزيلعي 1 / 133 ط دار المعرفة وحديث " إذا ابتلت النعال " لم يرد بهذا اللفظ في كتب الحديث وذكره ابن الأثير في النهاية وقال الشيخ تاج الدين الفزاري في الأقليد لم أجده في الأصول وإنما ذكره أهل العربية وللحديث شاهد آخر " إذا كان مطر وابل فصلوا في نعالكم " رواه الحاكم وعبد الله بن الإمام أح (تلخيص الحبير 2 / 31)

الصفحة 362