كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
وَالْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ يُفَسِّرُونَ الإِْبَاحَةَ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ الَّذِي ذَكَرَهُ الأُْصُولِيُّونَ (1) .
وَأَيْضًا يَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ الإِْذْنَ وَالإِْبَاحَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا يُفِيدُ إِطْلاَقَ التَّصَرُّفِ فَقَدْ قَال الْجُرْجَانِيُّ (2) : الإِْبَاحَةُ هِيَ الإِْذْنُ بِالإِْتْيَانِ بِالْفِعْل كَيْفَ شَاءَ الْفَاعِل. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ (3) : مَنْ نَثَرَ عَلَى النَّاسِ نِثَارًا كَانَ إِذْنًا فِي الْتِقَاطِهِ وَأُبِيحَ أَخْذُهُ، وَفَسَّرَ الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: الْمُبَاحَ بِالْمَأْذُونِ فِيهِ (4) .
وَإِذَا كَانَ الإِْذْنُ يُسْتَعْمَل بِمَعْنَى الإِْبَاحَةِ فَلأَِنَّ الإِْبَاحَةَ مَرْجِعُهَا الإِْذْنُ. فَالإِْذْنُ هُوَ أَصْل الإِْبَاحَةِ. وَلَوْلاَ صُدُورُ مَا يَدُل عَلَى الإِْذْنِ لَمَا كَانَ الْفِعْل جَائِزَ الْوُقُوعِ، فَالإِْبَاحَةُ الشَّرْعِيَّةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ، وَيَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى الشَّرْعِ (5) .
وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِْبَاحَةَ تَكُونُ بِمُقْتَضَى الإِْذْنِ سَوَاءٌ أَكَانَ صَرِيحًا أَمْ ضِمْنًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ الشَّارِعِ أَمْ مِنَ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
ب - الإِْجَازَةُ:
3 - الإِْجَازَةُ مَعْنَاهَا الإِْمْضَاءُ يُقَال: أَجَازَ أَمْرَهُ إِذَا أَمْضَاهُ وَجَعَلَهُ جَائِزًا، وَأَجَزْتُ الْعَقْدَ جَعَلْتُهُ جَائِزًا وَنَافِذًا. وَالإِْذْنُ هُوَ إِجَازَةُ الإِْتْيَانِ بِالْفِعْل.
فَالإِْجَازَةُ وَالإِْذْنُ كِلاَهُمَا يَدُل عَلَى الْمُوَافَقَةِ عَلَى الْفِعْل
__________
(1) ابن عابدين 5 / 221
(2) التعريفات للجرجاني ص 3 ط مصطفى الحلبي.
(3) المغني 5 / 604 ط مكتبة الرياض.
(4) منح الجليل 1 / 596 ط مكتبة النجاح طرابلس - ليبيا. .
(5) جمع الجوامع 1 / 175، والمستصفى 1 / 100، والموافقات للشاطبي 1 / 186 ط المكتبة التجارية - مصر.
إِلاَّ أَنَّ الإِْذْنَ يَكُونُ قَبْل الْفِعْل، وَالإِْجَازَةَ تَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِهِ (1) .
ج - الأَْمْرُ:
4 - الأَْمْرُ مِنْ مَعَانِيهِ لُغَةً: الطَّلَبُ، وَاصْطِلاَحًا: طَلَبُ الْفِعْل عَلَى سَبِيل الاِسْتِعْلاَءِ. فَكُل أَمْرٍ يَتَضَمَّنُ إِذْنًا بِالأَْوْلَوِيَّةِ.
أَقْسَامُ الإِْذْنِ
الإِْذْنُ قَدْ يَكُونُ عَامًّا وَقَدْ يَكُونُ خَاصًّا، وَالْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ قَدْ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْذُونِ لَهُ، وَقَدْ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَوْضُوعِ أَوِ الْوَقْتِ أَوِ الزَّمَانِ.
أ - الإِْذْنُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْذُونِ لَهُ:
5 - الإِْذْنُ قَدْ يَكُونُ عَامًّا بِالنِّسْبَةِ لِلشَّخْصِ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَذَلِكَ كَمَنْ أَلْقَى شَيْئًا وَقَال: مَنْ أَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ فَلِمَنْ سَمِعَهُ أَوْ بَلَغَهُ ذَلِكَ الْقَوْل أَنْ يَأْخُذَهُ، وَكَمَنْ وَضَعَ الْمَاءَ عَلَى بَابِهِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ الشُّرْبُ مِنْهُ لِمَنْ مَرَّ بِهِ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ، وَكَذَا مَنْ غَرَسَ شَجَرَةً فِي مَوْضِعٍ لاَ مِلْكَ فِيهِ لأَِحَدٍ، وَلَمْ يَقْصِدِ الإِْحْيَاءَ، فَقَدْ أَبَاحَ لِلنَّاسِ ثِمَارَهَا. وَكَأَنْ يَجْعَل الإِْمَامُ لِلْمُسْلِمِينَ مَوْضِعًا لِوُقُوفِ الدَّوَابِّ فِيهِ، فَلِكُل مُسْلِمٍ حَقُّ الْوُقُوفِ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ مِنَ السُّلْطَانِ (2) . وَمِنْ ذَلِكَ الدَّعْوَةُ الْعَامَّةُ لِلْوَلِيمَةِ.
__________
(1) لسان العرب، والمصباح المنير، وابن عابدين 2 / 383
(2) ابن عابدين 3 / 334، ومغني المحتاج 3 / 248، والمغني 5 / 604، والحطاب 4 / 6 ط النجاح - ليبيا، والاختيار 5 / 48 ط دار المعرفة بيروت، ومنتهى الإرادات 3 / 85 ط دار الفكر
الصفحة 377