كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
وَقَدْ يَكُونُ الإِْذْنُ خَاصًّا بِشَخْصٍ، كَمَنْ يَقُول: هَذَا الشَّيْءُ صَدَقَةٌ لِفُلاَنٍ، أَوْ كَالْوَقْفِ عَلَى أَهْل مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ لِصَرْفِ غَلَّةِ الْوَقْفِ عَلَيْهِمْ، أَوْ تَخْصِيصِ أَحَدِ الضِّيفَانِ بِطَعَامٍ خَاصٍّ، أَوِ اقْتِصَارِ الدَّعْوَةِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ (1) .
ب - الإِْذْنُ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّصَرُّفِ وَالْوَقْتِ وَالْمَكَانِ:
6 - قَدْ يَكُونُ الإِْذْنُ عَامًّا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّصَرُّفِ وَالْوَقْتِ وَالْمَكَانِ، وَقَدْ يَكُونُ خَاصًّا، فَإِذْنُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ يُعْتَبَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذْنًا عَامًّا يُجِيزُ لِلْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ التَّصَرُّفَ فِي سَائِرِ التِّجَارَاتِ مَا عَدَا التَّبَرُّعَاتِ، حَتَّى لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ فَهُوَ مَأْذُونٌ فِي جَمِيعِهَا، خِلاَفًا لِزُفَرَ؛ لأَِنَّ الإِْذْنَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِسْقَاطُ الْحَقِّ، وَالإِْسْقَاطَاتُ لاَ تَتَوَقَّتُ بِوَقْتٍ، وَلاَ تَتَخَصَّصُ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، وَلاَ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ يَوْمًا صَارَ مَأْذُونًا مُطْلَقًا حَتَّى يَحْجُرَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَال لَهُ: أَذِنْتُ لَكَ فِي التِّجَارَةِ فِي الْبَرِّ دُونَ الْبَحْرِ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا أَمَرَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ خَاصٍّ كَأَنْ يَقُول لَهُ: اشْتَرِ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا لِنَفْسِكَ أَوِ اشْتَرِ كِسْوَةً فَفِي الاِسْتِحْسَانِ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ؛ لأَِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الاِسْتِخْدَامِ، يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: اعْلَمْ أَنَّ الإِْذْنَ بِالتَّصَرُّفِ إِذْنٌ بِالتِّجَارَةِ وَبِالشَّخْصِ اسْتِخْدَامٌ (2) .
__________
(1) ابن عابدين 3 / 443، والدسوقي 4 / 87، 88 ط دار الفكر، ومنتهى الإرادات 2 / 514 ط دار الفكر، ومغني المحتاج 3 / 249، 390
(2) ابن عابدين 5 / 101، 102، والاختيار 2 / 101ط دارا لمعرفة بيروت، وبدائع الصنائع 7 / 191 ط الجالية، والدسوقي 3 / 304، والهداية 4 / 3 ط المكتبة الإسلامية.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَتَقَيَّدُ الإِْذْنُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَبْدِ، فَلاَ يَصِيرُ الْعَبْدُ مَأْذُونًا إِلاَّ فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ سَيِّدُهُ؛ لأَِنَّ تَصَرُّفَهُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الإِْذْنِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي نَوْعٍ، كَالثِّيَابِ، أَوْ فِي وَقْتٍ كَشَهْرِ كَذَا أَوْ فِي بَلَدٍ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ، كَالْوَكِيل وَعَامِل الْقِرَاضِ؛ لأَِنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالإِْذْنِ مِنْ جِهَةِ الآْدَمِيِّ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ (1) ، فَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى شَيْءٍ وَتَصَرَّفَ حَسَبَ الْمَصْلَحَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَيَتَصَرَّفُ فِي كُل الأَْنْوَاعِ وَالأَْزْمِنَةِ وَالْبُلْدَانِ. وَأَمْثِلَةُ الإِْذْنِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ كَثِيرَةٌ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ وَالْقِرَاضِ وَالشَّرِكَةِ وَالإِْعَارَةِ وَالإِْجَارَةِ وَغَيْرِهَا، وَتُنْظَرُ فِي أَبْوَابِهَا.
مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْذْنِ:
إِذْنُ الشَّارِعِ:
7 - إِذْنُ الشَّارِعِ يَكُونُ إِمَّا بِنَصٍّ، أَوْ بِاجْتِهَادٍ مِنَ الْحَاكِمِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، كَجَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ.
وَوُجُوهُ الإِْذْنِ مِنَ الشَّارِعِ مُتَعَدِّدَةُ الأَْسْبَابِ لِتَفَرُّعِ مَنَاحِي الشَّرِيعَةِ فِي الْحِفَاظِ عَلَى كِيَانِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ.
8 - فَالإِْذْنُ مِنَ الشَّارِعِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّوْسِعَةِ وَالتَّيْسِيرِ عَلَى الْعِبَادِ فِي حَيَاتِهِمْ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالإِْجَارَةِ وَالرَّهْنِ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ
__________
(1) مغني المحتاج 2 / 99، والمغني 5 / 84، والدسوقي 3 / 304
الصفحة 378