كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
كُلٌّ مِنْهُمْ أَنْ يُزَوِّجَ، فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، قَطْعًا لِلنِّزَاعِ، وَلِتَسَاوِيهِمْ فِي الْحَقِّ وَتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ زَوَّجَ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِيمَنْ يَرَاهُ أَحْسَنَهُمْ رَأْيًا مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَكُونُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُزَوِّجَهَا عَلَى حِيَالِهِ - رَضِيَ الآْخَرُ أَوْ سَخِطَ - إِذَا كَانَ التَّزْوِيجُ مِنْ كُفْءٍ بِمَهْرٍ وَافِرٍ.
وَهَذَا إِذَا اتَّحَدَ الْخَاطِبُ، أَمَّا إِذَا تَعَدَّدَ الْخَاطِبُ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ رِضَاهَا، وَتُزَوَّجُ بِمَنْ عَيَّنَتْهُ، فَإِنْ لَمْ تُعَيِّنِ الْمَرْأَةُ وَاحِدًا وَرَضِيَتْ بِأَيِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، نَظَرَ الْحَاكِمُ فِي تَزْوِيجِهَا مِنَ الأَْصْلَحِ، كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمْ فَزَوَّجَهَا مِنْ كُفْءٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يُمَيِّزُ أَحَدَهُمْ عَلَى غَيْرِهِ.
وَلَوْ أَذِنَتْ لَهُمْ فِي التَّزْوِيجِ، فَزَوَّجَهَا أَحَدُ الأَْوْلِيَاءِ الْمُسْتَوِينَ فِي الدَّرَجَةِ مِنْ وَاحِدٍ، وَزَوَّجَهَا الآْخَرُ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ عُرِفَ السَّابِقُ فَهُوَ الصَّحِيحُ وَالآْخَرُ بَاطِلٌ، وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدَانِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، أَوْ جُهِل السَّابِقُ مِنْهُمَا فَبَاطِلاَنِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (1) ، مَعَ تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ. (ر: نِكَاحُ وَلِيٍّ) .
33 - وَفِي الْوَصِيَّةِ لَوْ أُوصِيَ لاِثْنَيْنِ مَعًا فَهُمَا وَصِيَّانِ، وَلاَ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الاِنْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ فِي أَمْرٍ، كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ، نَظَرَ الْحَاكِمُ فِيمَا فِيهِ الأَْصْلَحُ، كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - لاَ يَنْفَرِدُ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ بِالتَّصَرُّفِ إِلاَّ إِذَا كَانَا مِنْ جِهَةِ
__________
(1) البدائع 2 / 251، ومغني المحتاج 2 / 160، والدسوقي 2 / 233، والمغني 6 / 511
قَاضِيَيْنِ مِنْ بَلْدَتَيْنِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا بِالتَّصَرُّفِ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ الأُْمُورِ (1) .
بِمَ يَكُونُ الإِْذْنُ؟
34 - لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الإِْذْنِ وَسَائِل مُتَعَدِّدَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ اللَّفْظُ الصَّرِيحُ الدَّال عَلَى الإِْذْنِ، كَقَوْل الأَْبِ لِوَلَدِهِ الْمُمَيِّزِ: أَذِنْتُ لَكَ فِي التِّجَارَةِ، أَوِ اشْتَرِ لِي ثَوْبًا وَبِعْهُ، أَوِ اتَّجِرْ فِي كَذَا (2) .
35 - وَقَدْ يَكُونُ الإِْذْنُ بِالإِْشَارَةِ أَوِ الْكِتَابَةِ أَوِ الرِّسَالَةِ وَذَلِكَ كَإِذْنِ الْمَرْأَةِ فِي إِنْكَاحِهَا إِذَا كَانَتْ خَرْسَاءَ، أَوْ إِذْنِ الْوَلِيِّ بِالإِْشَارَةِ إِذَا كَانَ أَخْرَسَ، فَإِنَّ الإِْذْنَ هُنَا يَصِحُّ بِالإِْشَارَةِ إِذَا كَانَتِ الإِْشَارَةُ مَعْهُودَةً مَفْهُومَةً، وَكَذَلِكَ الدَّعْوَةُ إِلَى الْوَلِيمَةِ بِكِتَابٍ أَوْ رَسُولٍ تُعْتَبَرُ إِذْنًا فِي الدُّخُول وَالأَْكْل، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُول فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ (3)
وَكَمَا يَكُونُ الإِْذْنُ مُبَاشَرَةً مِمَّنْ يَمْلِكُهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالإِْنَابَةِ مِنْهُ.
__________
(1) الدسوقي 4 / 453، والكافي 2 / 1031 ط مكتبة الرياض الحديثة، وابن عابدين 5 / 464 ط ثالثة بولاق، ومغني المحتاج 2 / 77، والمغني 6 / 144
(2) ابن عابدين 5 / 101 ط ثالثة بولاق، ومغني المحتاج 2 / 99، وما بعدها، والدسوقي 3 / 304، ومنتهى الإرادات 2 / 296
(3) حديث: " إذا دعي أحدكم. . . " أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والبيهقي في شعب الأيمان، وهو حسن (فيض القدير 1 / 347)
الصفحة 385