كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
أَبِي حَنِيفَةَ، وَحَقِّ الزَّوْجِ فِي التَّعْزِيرِ فِيمَا يُبَاحُ لَهُ، وَحَقِّ الاِنْتِفَاعِ بِالطَّرِيقِ الْعَامِّ،
وَهَذِهِ الْحُقُوقُ تَتَقَيَّدُ بِوَصْفِ السَّلاَمَةِ (1) .
وَبِالنَّظَرِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ بَقِيَّةِ الْفُقَهَاءِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُمْ يُسَايِرُونَ الْحَنَفِيَّةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ جَمِيعًا - وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ - يَخْتَلِفُونَ فِي تَحْدِيدِ الْحُقُوقِ الَّتِي تَتَقَيَّدُ بِوَصْفِ السَّلاَمَةِ، وَالَّتِي لاَ تَتَقَيَّدُ بِهَا، تَبَعًا لاِخْتِلاَفِ وُجْهَتِهِمْ فِي تَعْلِيل الْفِعْل، حَتَّى بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ نَجِدُ ذَلِكَ فِي الْفِعْل الْوَاحِدِ كَالْخِلاَفِ بَيْنَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِي اقْتِصَاصِ الإِْنْسَانِ لِنَفْسِهِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
أَوَّلاً - مَا لاَ يَتَقَيَّدُ بِوَصْفِ السَّلاَمَةِ:
أ - الْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ بِإِيجَابِ الشَّارِعِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا:
40 - إِذَا أَقَامَ الإِْمَامُ الْحَدَّ، فَجَلَدَ شَارِبَ الْخَمْرِ، أَوْ قَطَعَ يَدَ السَّارِقِ، فَمَاتَ الْمَحْدُودُ فَلاَ ضَمَانَ لأَِنَّ الْحُدُودَ إِذَا أُتِيَ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فَلاَ ضَمَانَ فِيمَا تَلِفَ بِهَا؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ فَعَل ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلاَ يُؤَاخَذُ.
وَكَذَلِكَ إِذَا اقْتَصَّ مِنَ الْجَانِي فِيمَا دُونَ النَّفْسِ دُونَ تَجَاوُزٍ، فَسَرَتِ الْجِرَاحَةُ، فَمَاتَ فَلاَ ضَمَانَ؛ لأَِنَّهُ بِفِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَلاَ يَتَقَيَّدُ بِوَصْفِ السَّلاَمَةِ. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (2) .
41 - وَإِذَا عَزَّرَ الإِْمَامُ فِيمَا شُرِعَ فِيهِ التَّعْزِيرُ، فَمَاتَ
__________
(1) الأشباه لابن نجيم ص 116
(2) البدائع 7 / 305، والدسوقي 4 / 355، ومنح الجليل 4 / 369 - 371، ونهاية المحتاج 8 / 29، والمهذب 2 / 189، والمغني 8 / 311، و 7 / 727
الْمُعَزَّرُ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ؛ لأَِنَّهُ فَعَل مَا فَعَل بِأَمْرِ الشَّرْعِ، وَفِعْل الْمَأْمُورِ لاَ يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ إِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ إِنْ ظَنَّ السَّلاَمَةَ، أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ؛ لأَِنَّ تَعْزِيرَ الإِْمَامِ عِنْدَهُمْ مَشْرُوطٌ بِسَلاَمَةِ الْعَاقِبَةِ (1) .
42 - وَإِذَا اقْتَصَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَقَطَعَ يَدَ الْقَاطِعِ، فَسَرَتِ الْجِرَاحَةُ، فَمَاتَ فَلاَ ضَمَانَ؛ لأَِنَّهُ قَطْعٌ مُسْتَحَقٌّ مُقَدَّرٌ فَلاَ تُضْمَنُ سِرَايَتُهُ كَقَطْعِ السَّارِقِ، وَهَذَا عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، مَا عَدَا أَبَا حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ عِنْدَهُ، وَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لأَِنَّ الْقَطْعَ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ عَلَى مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ، بَل هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ وَالْعَفْوُ أَوْلَى، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُؤَدَّبُ لاِفْتِيَاتِهِ عَلَى الإِْمَامِ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ (2) .
ب - الْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ بِإِيجَابِ الْعَقْدِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا:
43 - الْحَجَّامُ وَالْفَصَّادُ وَالْخَتَّانُ وَالطَّبِيبُ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَتْلَفُ بِفِعْلِهِمْ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِالإِْذْنِ وَلَمْ يُجَاوِزُوا الْمَوْضِعَ الْمُعْتَادَ، وَكَانَتْ لَهُمْ بِصَنْعَتِهِمْ بَصَارَةٌ وَمَعْرِفَةٌ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ (3) .
44 - وَفِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ يَدُ الْمُسْتَأْجِرِ يَدُ أَمَانَةٍ، وَلاَ
__________
(1) المغني 8 / 326، والهداية 2 / 117، والأشباه للسيوطي ص 111، والمهذب 2 / 290، ومنح الجليل 4 / 556، 557
(2) البدائع 7 / 305، والأشباه للسيوطي ص 111، والمغني 7 / 690، 727، والمواق بهامش الحطاب 6 / 233، 234
(3) المغني 5 / 538، ومنح الجليل 4 / 557، والتبصرة بهامش فتح العلي 2 / 348، ونهاية المحتاج 8 / 30، 32، وابن عابدين 5 / 44 ط ثالثة.
الصفحة 387