كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 2)
حُضُورَ الْقَلْبِ وَاسْتِيفَاءَ الْفِكْرِ الَّذِي يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى إِصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْغَالِبِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ قَال. سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: لاَ يَحْكُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ. . .
فَإِذَا قَضَى وَهُوَ حَاقِنٌ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ قِيَاسًا عَلَى قَضَاءِ الْغَضْبَانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (1) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي رَأْيٍ ثَانٍ لَهُمْ، حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَضَاءُ الْقَاضِي وَهُوَ حَاقِنٌ. فَإِذَا حَكَمَ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؛ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَقِيل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّمَا يَمْنَعُ الْغَضَبُ الْحَاكِمَ إِذَا كَانَ قَبْل أَنْ يَتَّضِحَ لَهُ الْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَةِ. فَأَمَّا إِنِ اتَّضَحَ لَهُ الْحُكْمُ ثُمَّ عَرَضَ الْغَضَبُ لاَ يَمْنَعُهُ (2) ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ قَدِ اسْتَبَانَ قَبْل الْغَضَبِ فَلاَ يُؤَثِّرُ الْغَضَبُ فِيهِ.
ثَانِيًا - الاِحْتِقَانُ لِلتَّدَاوِي
10 - فِي نَقْضِ وُضُوءِ الْمُحْتَقِنِ فِي الْقُبُل أَوِ الدُّبُرِ ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ إِذَا أَدْخَل رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ فِي الْقُبُل أَوِ الدُّبُرِ
__________
(1) البحر الرائق 6 / 303 ط المطبعة العلمية بالقاهرة، ومجلة الأحكام بشرح الأتاسي 6 / 86 طبعة مطبعة السلامة، والتحفة بحاشية الشرواني 8 / 341، وحاشية الدسوقي 4 / 141 ط عيسى الحلبي " والمغني 10 / 44، 45، ونيل الأوطار 8 / 273
(2) المغني 10 / 45
شَيْئًا مِنْ حُقْنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، ثُمَّ خَرَجَ، انْتَقَضَ الْوُضُوءُ، سَوَاءٌ اخْتَلَطَ بِهِ أَذًى أَمْ لاَ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيل ذَلِكَ تَبَعًا لِقَوَاعِدِهِمْ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً فِي نَفْسِهَا لَكِنَّهَا لاَ تَخْلُو عَنْ قَلِيل النَّجَاسَةِ يَخْرُجُ مَعَهَا، وَالْقَلِيل مِنَ السَّبِيلَيْنِ نَاقِضٌ (1) .
وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الدَّاخِل إِذَا خَرَجَ يُعْتَبَرُ خُرُوجًا مِنَ السَّبِيلَيْنِ، فَيُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ، سَوَاءٌ اخْتَلَطَ بِهِ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أُخْرِجَ كُلُّهُ أَوْ قِطْعَةٌ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ خَارِجٌ مِنَ السَّبِيل (2)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَذَكَرُوا أَنَّ إِدْخَال الْحُقْنَةِ فِي الدُّبُرِ لاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَعَ احْتِمَال أَنْ يَصْحَبَهَا نَجَاسَةٌ عِنْدَ خُرُوجِهَا؛ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّهُ خَارِجٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ فَلاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، مِثْل الدُّودِ وَالْحَصَى وَلَوْ صَاحَبَهُ بَلَلٌ (3) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى التَّفْصِيل: فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الدَّاخِل حُقْنَةً أَوْ قُطْنًا أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ خَرَجَ وَعَلَيْهِ بَلَلٌ نَقَضَ الْوُضُوءَ؛ لأَِنَّ الْبَلَل لَوْ خَرَجَ مُنْفَرِدًا لَنَقَضَ؛ لأَِنَّهُ خَارِجٌ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا، وَإِنْ خَرَجَ الدَّاخِل وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَلَلٌ ظَاهِرٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
الأَْوَّل: يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لأَِنَّهُ خَارِجٌ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا. وَالثَّانِي: لاَ يَنْقُضُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْمَثَانَةِ
__________
(1) بدائع الصنائع 1 / 137 مطبعة العاصمة.
(2) المجموع 2 / 11 نشر المكتبة العالمية.
(3) العدوي على الخرشي 1 / 151
الصفحة 86