كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 3)

ب - اسْتِتَارُ الْمُغْتَسِل بِحُضُورِ الزَّوْجَةِ:
9 - مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ أَيْضًا: أَنَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَغْتَسِل بِحُضُورِ الآْخَرِ، وَهُوَ بَادِي الْعَوْرَةِ (1) . لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِل أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ، يُقَال لَهُ: الْفَرَقُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

اسْتِتَارُ الْمُغْتَسِل مُنْفَرِدًا:
10 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُنْفَرِدِ أَنْ يَغْتَسِل عُرْيَانًا (2) . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِل وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِل مَعَنَا إِلاَّ أَنَّهُ آدَرُّ - مَنْفُوخُ الْخُصْيَةِ - فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِل، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُول: ثَوْبِي يَا حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَ بَنُو إِسْرَائِيل إِلَى مُوسَى فَقَالُوا: وَاَللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِل عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَل أَيُّوبُ يَحْتَشِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبَ أَلَمْ أَكُنْ
__________
(1) المحلى 10 / 33، وفتاوى قاضي خان 3 / 407، ومغني المحتاج 1 / 75، والخرشي 3 / 4، والمغني 7 / 458، وفتح الباري 1 / 303 ط المطبعة البهية 1348
(2) مغني المحتاج 1 / 75، والمغني 1 / 231، وفتح الباري 1 / 307
أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَال: بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لاَ غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ. (1)
فَقَدْ قَصَّ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ دُونَ نَكِيرٍ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ؛ لأَِنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ.
وَسُئِل الإِْمَامُ مَالِكٌ عَنِ الْغُسْل فِي الْفَضَاءِ، فَقَال: لاَ بَأْسَ بِهِ، فَقِيل: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنَّ فِيهِ حَدِيثًا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَال تَعَجُّبًا: لاَ يَغْتَسِل الرَّجُل فِي الْفَضَاءِ؟ ! ، وَجْهُ إِجَازَةِ مَالِكٍ لِلرَّجُل أَنْ يَغْتَسِل فِي الْفَضَاءِ إِذَا أَمِنَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ أَحَدٌ، وَأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا قَرَّرَ وُجُوبَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ عَنِ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ دُونَ سِوَاهُمْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، إِذْ لاَ يُفَارِقُهُ الْحَفَظَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِهِ فِي حَالٍ مِنَ الأَْحْوَال، قَال تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} . (2) وَقَال تَعَالَى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} (3) : وَلِهَذَا قَال مَالِكٌ تَعَجُّبًا: لاَ يَغْتَسِل الرَّجُل فِي الْفَضَاءِ، إِذْ لاَ فَرْقَ فِي حَقِّ الْمَلاَئِكَةِ بَيْنَ الْفَضَاءِ وَغَيْرِهِ (4) .
وَلَكِنْ هَذَا جَوَازٌ مَقْرُونٌ بِالْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ، وَلِذَلِكَ يَنْدُبُ لَهُ الاِسْتِتَارُ (5) . لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ غَيْرُهُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ فَإِنْ
__________
(1) فتح الباري 1 / 307
(2) سورة ق 18.
(3) سورة الانفطار / 10، 11، 12
(4) حاشية الرهوني 1 / 226
(5) فتح الباري 1 / 386، ونيل الأوطار 1 / 253 ط المطبعة العثمانية 1357، ومغني المحتاج 1 / 75، وشرح الرهوني 1 / 226 ط 1 بولاق 1306، والمغني 1 / 231، والطحاوي على مراقي الفلاح ص 57

الصفحة 180