كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 3)
كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَال: فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ (1) .
وَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى وُجُوبِ الاِسْتِتَارِ حِينَ الْغُسْل، وَلَوْ كَانَ فِي خَلْوَةٍ (2) .
مُسْتَدِلًّا بِالْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلاً يَغْتَسِل بِالْبِرَازِ - أَيْ بِالْخَلاَءِ - فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَال: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإِذَا اغْتَسَل أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ. (3)
اسْتِتَارُ الْمَرْأَةِ الْمُتَزَيِّنَةِ:
11 - يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الاِسْتِتَارُ عَنْ غَيْرِ الزَّوْجِ وَالْمَحَارِمِ، بِسَتْرِ عَوْرَتِهَا وَعَدَمِ إِبْدَاءِ زِينَتِهَا (4) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ} . (5) وَفِيمَا يَجِبُ سَتْرُهُ عَنِ الْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِي سَتْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (تَزَيُّن) (وَعَوْرَةٌ) .
الاِسْتِتَارُ مِنْ عَمَل الْفَاحِشَةِ:
12 - مَنِ ابْتُلِيَ بِمَعْصِيَةٍ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَتِرَ بِذَلِكَ، وَلاَ يُجَاهِرَ بِفِعْلِهِ السَّيِّئِ، كَمَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَلِمَ بِفَاحِشَتِهِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ
__________
(1) تحفة المحتاج بشرح المنهاج 1 / 297، والحديث تقدم تخريجه في فقرة (4)
(2) فتح الباري 1 / 306، ونيل الأوطار 1 / 253
(3) أخرجه أبو داود في الحمام، والنسائي في الاغتسال باب الاستتار عند الاغتسال.
(4) تفسير الطبري 18 / 118، 119، وتفسير القرطبي 12 / 228
(5) سورة الأحزاب / 59
وَيَنْصَحَهُ، وَيَمْنَعَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالْوَسِيلَةِ الَّتِي يَسْتَطِيعُهَا.
13 - وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا وَقَعَ مِنْهُ مَا يُعَابُ عَلَيْهِ يُنْدَبُ لَهُ السَّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلاَ يُعْلِمُ أَحَدًا، حَتَّى الْقَاضِيَ، بِفَاحِشَتِهِ لإِِقَامَةِ الْحَدِّ أَوِ التَّعْزِيرِ عَلَيْهِ (1) ، لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: كُل أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَل الرَّجُل بِاللَّيْل عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَيَقُول: يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سَتْرَ اللَّهِ عَنْهُ. (2)
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا مِنْ صَفْحَتِهِ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ. (3) وَقَال أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَوْ أَخَذْتُ شَارِبًا لأََحْبَبْتُ أَنْ يَسْتُرَهُ اللَّهُ، وَلَوْ أَخَذْتُ سَارِقًا لأََحْبَبْتُ أَنْ يَسْتُرَهُ اللَّهُ (4) ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا الدَّرْدَاءِ وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَغَيْرَهُمْ (5) ، قَدْ أُثِرَ عَنْهُمُ السَّتْرُ عَلَى مُعْتَرِفٍ بِالْمَعْصِيَةِ، أَوْ تَلْقِينِهِ الرُّجُوعَ مِنْ إِقْرَارِهِ بِهَا، سَتْرًا عَلَيْهِ، وَسَتْرُ مُعْتَرِفِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْلَى مِنْ سَتْرِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
وَالْجَهْرُ بِالْمَعْصِيَةِ عَنْ جَهْلٍ، لَيْسَ كَالْجَهْرِ بِالْمَعْصِيَةِ تَبَجُّحًا. قَال ابْنُ حَجَرٍ: فَإِنَّ مَنْ قَصَدَ
__________
(1) فتح الباري 1 / 399، والفروع 3 / 264، ومنتهى الإرادات 2 / 460، ومغني المحتاج 4 / 150، وحاشية ابن عابدين 5 / 140
(2) فتح الباري 10 / 399
(3) أخرجه الحاكم والبيهقي، ومالك في الموطأ باب الحدود.
(4) مخطوط مصنف ابن أبي شيبة 2 / 132
(5) مخطوط مصنف ابن أبي شيبة 2 / 123 و130
الصفحة 181