كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 3)

يُسْتَتَابُ بَل يُقْتَل، وَلاَ تُقْبَل تَوْبَتُهُ فِي الدُّنْيَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ: يُسْتَتَابُ مِثْل الْمُرْتَدِّ، وَتُقْبَل تَوْبَتُهُ إِنْ تَابَ وَرَجَعَ (1) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ (2) }
وَلِخَبَرِ: فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ (3)
7 - وَفَرَّقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ الاِسْتِخْفَافِ بِالسَّلَفِ، وَبَيْنَ الاِسْتِخْفَافِ بِغَيْرِهِمْ، وَأَرَادُوا بِالسَّلَفِ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي سَابِّ الصَّحَابَةِ وَسَابِّ السَّلَفِ: إِنَّهُ يُفَسَّقُ وَيُضَلَّل، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ (4) .
وَلَكِنْ مَنْ سَبَّ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ - بِالإِْفْكِ الَّذِي بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ - أَوْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ أَبِي بَكْرٍ الَّتِي ثَبَتَتْ بِنَصِّ الْقُرْآنِ يَكْفُرُ؛ لإِِنْكَارِهِ تِلْكَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى بَرَاءَتِهَا وَصُحْبَةِ أَبِيهَا، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَال فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا
__________
(1) حاشية ابن عابدين 3 / 291، و 292، ونهاية المحتاج 7 / 395، 398، 399، والدسوقي 4 / 309 - 312، والحطاب وهامشه التاج والإكليل 6 / 280، والصارم المسلول ص 337، والمغني 8 / 123
(2) سورة الأنفال 38
(3) أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 75 - ط السلفية) ، ومسلم 4 / 52
(4) ابن عابدين 3 / 293، ونهاية المحتاج 7 / 396، والدسوقي 4 / 312
وَالآْخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (1) قَال: هَذَا فِي شَأْنِ عَائِشَةَ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً، وَلَيْسَ فِيهَا تَوْبَةٌ (2) .
وَأَمَّا الاِسْتِخْفَافُ بِغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ مَسْتُورَ الْحَال، فَقَدْ قَال فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ: إِنَّهُ ذَنْبٌ يُوجِبُ الْعِقَابَ وَالزَّجْرَ عَلَى مَا يَرَاهُ السُّلْطَانُ، مَعَ مُرَاعَاةِ قَدْرِ الْقَائِل وَسَفَاهَتِهِ، وَقَدْرِ الْمَقُول فِيهِ (3) ؛ لأَِنَّ الاِسْتِخْفَافَ وَالسُّخْرِيَةَ مِنَ الْمُسْلِمِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ} . (4)

حُكْمُ الاِسْتِخْفَافِ بِالْمَلاَئِكَةِ:
8 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِمَلَكٍ، بِأَنْ وَصَفَهُ بِمَا لاَ يَلِيقُ بِهِ، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ عَرَّضَ بِهِ كَفَرَ وَقُتِل (5) .
وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا تَحَقَّقَ كَوْنُهُ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ كَجِبْرِيل، وَمَلَكِ الْمَوْتِ، وَمَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ (6) .
__________
(1) سورة النور 23
(2) الصارم المسلول ص 337 - 338 ط تاج بطنطا، وابن عابدين 3 / 290
(3) الحطاب 6 / 303، والإنصاف 10 / 322، ونهاية المحتاج 8 / 17، وابن عابدين 4 / 383
(4) سورة الحجرات 11
(5) الحطاب 6 / 285 ط ليبيا، والإعلام بقواطع الإسلام 2 / 214، وابن عابدين 3 / 292، والمغني 8 / 150
(6) التاج والإكليل بهامش الحطاب 6 / 285 ليبيا.

الصفحة 250