كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 3)

عَمَلِهِ، وَمِنْهُ اسْتِخْلاَفُ الإِْمَامِ غَيْرَهُ مِنَ الْمَأْمُومِينَ لِتَكْمِيل الصَّلاَةِ بِهِمْ لِعُذْرٍ قَامَ بِهِ (1) ، وَمِنْهُ أَيْضًا إِقَامَةُ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَخْلُفُهُ فِي الإِْمَامَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْهُ الاِسْتِخْلاَفُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَسَيَقْتَصِرُ الْبَحْثُ هُنَا عَلَى الاِسْتِخْلاَفِ فِي الصَّلاَةِ وَالْقَضَاءِ، وَأَمَّا الاِسْتِخْلاَفُ فِي الإِْمَامَةِ الْعُظْمَى فَمَوْضِعُ بَيَانِهِ مُصْطَلَحُ (خِلاَفَة) وَمُصْطَلَحُ (وِلاَيَةُ الْعَهْدِ) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّوْكِيل:
2 - التَّوْكِيل فِي اللُّغَةِ: التَّفْوِيضُ (2) وَنَحْوُهُ الإِْنَابَةُ أَوْ الاِسْتِنَابَةُ أَوِ النِّيَابَةُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: إِقَامَةُ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَعْلُومٍ مِمَّنْ يَمْلِكُهُ (3) . وَيَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا أَنَّ الاِسْتِخْلاَفَ وَالتَّوْكِيل لَفْظَانِ مُتَقَارِبَانِ، إِلاَّ أَنَّ مَجَال الاِسْتِخْلاَفِ أَوْسَعُ، إِذْ هُوَ فِي بَعْضِ إِطْلاَقَاتِهِ يَظْهَرُ أَثَرُهُ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُسْتَخْلِفِ، وَيَشْمَل الصَّلاَةَ وَغَيْرَهَا. فِي حِينِ أَنَّ التَّوْكِيل يَقْتَصِرُ أَثَرُهُ عَلَى حَيَاةِ الْمُوَكِّل.
صِفَةُ الاِسْتِخْلاَفِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
3 - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِسْتِخْلاَفِ بِاخْتِلاَفِ الأَْمْرِ الْمُسْتَخْلَفِ فِيهِ، وَالشَّخْصِ الْمُسْتَخْلَفِ. فَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْتَخْلِفِ وَالْمُسْتَخْلَفِ، كَمَا إِذَا تَعَيَّنَ شَخْصٌ لِلْقَضَاءِ، بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَصْلُحُ لِيَكُونَ
__________
(1) الشرح الصغير 1 / 465
(2) المصباح حاشية الدسوقي 3 / 377
(3) شرح الدر وحاشيته 4 / 618 ط الأميرية.
قَاضِيًا غَيْرَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ الاِسْتِخْلاَفُ أَنْ يَسْتَخْلِفَهُ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْتَخْلَفِ أَنْ يُجِيبَهُ.
وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا كَاسْتِخْلاَفِ مَنْ لاَ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ لِجَهْلِهِ، أَوْ لِطَلَبِهِ الْقَضَاءَ بِالرِّشْوَةِ.
وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا فِي مِثْل مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ مِنِ اسْتِخْلاَفِ الإِْمَامِ غَيْرَهُ فِي الصَّلاَةِ إِذَا سَبَقَهُ حَدَثٌ لِيُتِمَّ الصَّلاَةَ بِالنَّاسِ، فَهُوَ مَنْدُوبٌ عِنْدَهُمْ عَلَى الإِْمَامِ، وَوَاجِبٌ عَلَى الْمَأْمُومِينَ إِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ فِي الْجُمُعَةِ، وَمَنْدُوبٌ فِي غَيْرِهَا.
وَقَدْ يَكُونُ الاِسْتِخْلاَفُ جَائِزًا، كَاسْتِخْلاَفِ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ مَنْ يَخْلُفُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، إِذْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ لَهُمُ الاِخْتِيَارَ بَعْدَهُ.

أَوَّلاً: الاِسْتِخْلاَفُ فِي الصَّلاَةِ

:
4 - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ، وَإِحْدَى رِوَايَتَيْنِ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ الاِسْتِخْلاَفَ جَائِزٌ فِي الصَّلاَةِ. وَغَيْرُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ أُخْرَى عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ. وَقَال أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا سَبَقَ الإِْمَامَ فِي الصَّلاَةِ حَدَثٌ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ وَصَلاَةُ الْمَأْمُومِينَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ اسْتِخْلاَفَ الإِْمَامِ لِغَيْرِهِ مَنْدُوبٌ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَوَاجِبٌ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، فِي الْجُمُعَةِ إِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفِ الإِْمَامُ. لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ أَفْذَاذًا، بِخِلاَفِ غَيْرِهَا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَحْدَث الإِْمَامُ وَكَانَ الْمَاءُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى الاِسْتِخْلاَفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ مَاءٌ،

الصفحة 252