كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 3)

وَانْتَظَرُوهُ حَتَّى يُتِمَّ وَيُسَلِّمَ مَعَهُمْ؛ لأَِنَّ اتِّبَاعَ الْمَأْمُومِينَ لِلإِْمَامِ أَوْلَى مِنِ اتِّبَاعِهِ لَهُمْ. فَإِنَّ الإِْمَامَ إِنَّمَا جُعِل لِيُؤْتَمَّ بِهِ وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ إِذَا فَرَغَ الْمَأْمُومُونَ قَبْل فَرَاغِ إِمَامِهِمْ، وَقَامَ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ فَإِنَّهُمْ يَجْلِسُونَ وَيَنْتَظِرُونَ حَتَّى يُتِمَّ وَيُسَلِّمَ بِهِمْ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ يَنْتَظِرُ الْمَأْمُومِينَ فِي صَلاَةِ الْخَوْفِ، فَانْتِظَارُهُمْ لَهُ أَوْلَى، وَإِنْ سَلَّمُوا وَلَمْ يَنْتَظِرُوهُ جَازَ.
وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ: يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ، وَالأَْوْلَى انْتِظَارُهُ. وَإِنْ سَلَّمُوا لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى خَلِيفَةٍ. فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الصَّلاَةِ إِلاَّ السَّلاَمُ، فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الاِسْتِخْلاَفِ فِيهِ، وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الاِسْتِخْلاَفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لأَِنَّهُ إِنْ بَنَى جَلَسَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ جُلُوسِهِ وَصَارَ تَابِعًا لِلْمَأْمُومِينَ، وَإِنِ ابْتَدَأَ جَلَسَ الْمَأْمُومُونَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ جُلُوسِهِمْ، وَلَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِهَذَا، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الاِسْتِخْلاَفُ فِي مَوْضِعِ الإِْجْمَاعِ حَيْثُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، فَلاَ يُلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ.
وَإِذَا اسْتَخْلَفَ مَنْ لاَ يَدْرِي كَمْ صَلَّى الإِْمَامُ، احْتَمَل أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الْيَقِينِ، فَإِنْ وَافَقَ الْحَقَّ وَإِلاَّ سَبَّحُوا بِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ الْمُسْتَخْلَفَ إِنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ الَّتِي صَلاَّهَا الإِْمَامُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الاِسْتِخْلاَفُ لِلشَّكِّ، كَغَيْرِ الْمُسْتَخْلَفِ (1) ، وَرِوَايَةُ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ بُنِيَتْ عَلَى أَنَّهُ شَكٌّ مِمَّنْ لاَ ظَنَّ لَهُ فَوَجَبَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ كَسَائِرِ الْمُصَلِّينَ.
__________
(1) المغني 2 / 103 - 105
ثَالِثًا: اسْتِخْلاَفُ الْقَاضِي

32 - اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الإِْمَامَ إِذَا أَذِنَ لِلْقَاضِي فِي الاِسْتِخْلاَفِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَعَلَى أَنَّهُ إِذَا نَهَاهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْقَاضِيَ إِنَّمَا يَسْتَمِدُّ وِلاَيَتَهُ مِنَ الإِْمَامِ، فَلاَ يَمْلِكُ أَنْ يُخَالِفَهُ إِذَا نَهَاهُ، كَالْوَكِيل مَعَ الْمُوَكِّل، فَإِنَّ الْمُوَكِّل إِذَا نَهَى الْوَكِيل عَنْ تَصَرُّفٍ مَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ. قَال الدُّسُوقِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنَّ الْعُرْفَ بِالاِسْتِخْلاَفِ وَعَدَمِهِ كَالنَّصِّ عَلَى ذَلِكَ (1) .
أَمَّا إِنْ أَطْلَقَ الإِْمَامُ فَلَمْ يَأْذَنْ وَلَمْ يَنْهَ فَهُنَاكَ اتِّجَاهَاتٌ فِي الْمَذَاهِبِ.
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَسَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ إِلَى: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ؛ لأَِنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِإِذْنِ الإِْمَامِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مُطْلَقًا. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الاِسْتِخْلاَفُ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ، أَوْ سَفَرٍ، أَوْ سِعَةِ الْجِهَاتِ الْمُوَلَّى عَلَيْهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْقَاضِيَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَحْتَاجُ إِلَى الاِسْتِخْلاَفِ؛ وَلأَِنَّ قَرِينَةَ الْحَال تَقْتَضِي ذَلِكَ، فَإِنِ اسْتَخْلَفَ الْقَاضِي - بِغَيْرِ إِذْنٍ - وَقَضَى الْمُسْتَخْلَفُ فَإِنَّ قَضَاءَهُ يَنْفُذُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا أَنْفَذَهُ الْقَاضِي الْمُسْتَخْلِفُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخْلَفُ بِحَالٍ يَصْلُحُ مَعَهَا أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا؛ لأَِنَّهُ
__________
(1) الدسوقي 4 / 133

الصفحة 261