كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 4)

قَال ابْنُ عَقِيلٍ: وَقَدْ جَعَل أَصْحَابُنَا الْمُحَدِّثُونَ لِجَوَازِ الأَْخْذِ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ، أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ هِنْدٍ حِينَ قَال لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ. (1)
قَال أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَتَخَرَّجُ لَنَا جَوَازُ الأَْخْذِ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَخَذَ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ تَحَرَّى وَاجْتَهَدَ فِي تَقْوِيمِهِ، مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ هِنْدٍ، وَمِنْ قَوْل أَحْمَدَ فِي الْمُرْتَهِنِ " يَرْكَبُ وَيَحْلُبُ بِقَدْرِ مَا يُنْفِقُ ". وَالْمَرْأَةُ تَأْخُذُ مَئُونَتَهَا وَبَائِعُ السِّلْعَةِ يَأْخُذُهَا مِنْ مَال الْمُفْلِسِ بِغَيْرِ رِضًا.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ الأَْخْذَ بِحَدِيثِ هِنْدٍ السَّابِقِ.
وَقَال الشَّافِعِيُّ: إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِخْلاَصِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، إِنْ لَمْ يَخَفِ الْفِتْنَةَ.
وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَقَدَرَ عَلَى اسْتِخْلاَصِ حَقِّهِ فَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ لَهُ أَخْذَ جِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِهِ، وَكَذَا غَيْرُ جِنْسِهِ لِلضَّرُورَةِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: الْمَنْعُ، لأَِنَّهُ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنْ تَمَلُّكِهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّرَاضِي.
18 - هَذَا، وَانْفَرَدَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا بِأَنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَخْذَ حَقِّهِ اسْتِقْلاَلاً، وَلَوْ كَانَ عَلَى مُقِرٍّ مُمْتَنِعٍ، أَوْ عَلَى مُنْكِرٍ وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، لأَِنَّ فِي الرَّفْعِ إِلَى الْقَضَاءِ مَئُونَةً وَمَشَقَّةً وَتَضْيِيعَ زَمَانٍ. وَالْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَهُمْ: يَجِبُ الرَّفْعُ إِلَى
__________
(1) حديث هند أخرجه البخاري واللفظ له، ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها. (فتح الباري 9 / 507 ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 3 / 1338 ط عيسى الحلبي 1375 هـ) .
الْقَاضِي، لإِِمْكَانِ حُصُولِهِ عَلَى حَقِّهِ مَعَ وُجُودِ الإِْقْرَارِ أَوِ الْبَيِّنَةِ. (1)
وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ، لأَِنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ فِي مَالِهِ إِذَا أَفْلَسَ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ إِنْ كَانَ نَقْدًا أَوْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَال عَرْضًا لَمْ يَجُزْ، لأَِنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْ حَقِّهِ اعْتِيَاضٌ، وَلاَ تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ إِلاَّ بِالتَّرَاضِي، لَكِنَّ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ جَوَازُ الأَْخْذِ مِنْ خِلاَفِ الْجِنْسِ. (2)
وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَدِّ الأَْمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ، (3) وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فَقَدْ خَانَهُ، فَيَدْخُل فِي عُمُومِ الْخَبَرِ. وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَحِل مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ
__________
(1) المغني لابن قدامة 10 / 288، والقليوبي 4 / 335. واللجنة ترى أن القول بجواز أخذ صاحب الحق مثل حقه من غير رضى ولا حكم حاكم إنما يكون عند أمن الفتنة وإلا لم يجز، لأن درء الفتنة من مقاصد الشريعة المقررة.
(2) المغني 10 / 287 ط القاهرة، ورد المحتار 3 / 200، 4 / 43 ط بولاق 1272، والقليوبي 4 / 335، والفروق 1 / 208.
(3) حديث " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ". أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: هذا حديث حسن غريب. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وأخرجه أبو داود من طريق آخر وسكت عنه، وقال المنذري: فيه رواية مجهول (تحفة الأحوذي 4 / 479 - 481 نشر المكتبة السلفية، وعون المعبود 3 / 313 - 314 ط الهند، وجامع الأصول 1 / 323 نشر مكتبة الحلواني) .

الصفحة 153