كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 4)
الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ أَسْبَغَ بِدُونِ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِ زَادَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ طِبَاعَ النَّاسِ وَأَحْوَالَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ.
وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ الإِْسْرَافَ فِي اسْتِعْمَال الْمَاءِ مَكْرُوهٌ، وَلِهَذَا صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُجْزِئُ الْمُدُّ وَمَا دُونَ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ، وَإِنْ تَوَضَّأَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ جَازَ، إِلاَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ الإِْسْرَافُ. (1) وَمَعَ ذَلِكَ قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ أَنْ لاَ يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ فِيمَنِ اعْتَدَل جِسْمُهُ عَنْ مُدٍّ تَقْرِيبًا، لأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوَضِّئُهُ الْمُدُّ (2) وَلاَ حَدَّ لِمَاءِ الْوُضُوءِ، لَكِنَّهُ يُشْتَرَطُ الإِْسْبَاغُ. (3)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْوُضُوءِ تَقْلِيل الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ فِي ذَلِكَ، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ قَوْل مَنْ قَال: حَتَّى يَقْطُرَ الْمَاءُ أَوْ يَسِيل، يَعْنِي أَنْكَرَ السَّيَلاَنَ عَنِ الْعُضْوِ لاَ السَّيَلاَنَ عَلَى الْعُضْوِ، إِذْ لاَ بُدَّ مِنْهُ، وَإِلاَّ فَهُوَ مَعَ عَدَمِ السَّيَلاَنِ مَسْحٌ بِلاَ شَكٍّ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى الْقَدْرُ الْكَافِي فِي حَقِّ كُل وَاحِدٍ، فَمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ مَا يَكْفِيهِ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَإِسْرَافٌ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِ مَا يَكْفِيهِ فَقَدْ أَدَّى السُّنَّةَ، فَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الإِْسْبَاغِ بِقَلِيلٍ أَنْ يُقَلِّل الْمَاءَ، وَلاَ يَسْتَعْمِل
__________
(1) المغني 1 / 222 - 225، وابن عابدين 1 / 107.
(2) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوضئه المد ". أخرجه مسلم من حديث سفينة مرفوعا بلفظ: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسله الصاع من الماء من الجنابة، ويوضئه المد " (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 1 / 258 ط عيسى الحلبي 1347 هـ) .
(3) نهاية المحتاج 1 / 212.
زِيَادَةً عَلَى الإِْسْبَاغِ، (1) أَيْ فِي كُل مَرَّةٍ.
وَمِعْيَارُ الإِْسْرَافِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ أَنْ يَسْتَعْمِل الْمَاءَ فَوْقَ الْحَاجَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَذَكَرَ أَكْثَرُ الأَْحْنَافِ أَنَّ تَرْكَ التَّقْتِيرِ - بِأَنْ يَقْتَرِبَ إِلَى حَدِّ الدَّهْنِ، وَيَكُونُ التَّقَاطُرُ غَيْرَ ظَاهِرٍ - وَتَرْكُ الإِْسْرَافِ - بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى الْحَاجَةِ الشَّرْعِيَّةِ - سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الإِْسْرَافُ فِي اسْتِعْمَال الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الدُّرِّ، لَكِنْ رَجَّحَ ابْنُ عَابِدِينَ كَوْنَهُ مَكْرُوهًا تَنْزِيهًا. (2)
وَاسْتَدَل الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الإِْسْرَافِ فِي الْمَاءِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَال: مَا هَذَا السَّرَفُ؟ فَقَال: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ فَقَال: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ. (3)
وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُوَسْوَسِ، أَمَّا الْمُوَسْوَسُ فَيُغْتَفَرُ فِي حَقِّهِ لِمَا ابْتُلِيَ بِهِ. (4)
ب - الإِْسْرَافُ فِي الْغُسْل:
8 - مِنْ سُنَنِ الْغُسْل التَّثْلِيثُ، بِأَنْ يُفِيضَ الْمَاءَ عَلَى كُل بَدَنِهِ ثَلاَثًا مُسْتَوْعِبًا، وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ يُعْتَبَرُ إِسْرَافًا مَكْرُوهًا، وَلاَ يُقَدَّرُ الْمَاءُ الَّذِي يُجْزِئُ الْغُسْل
__________
(1) مواهب الجليل 1 / 256 - 258.
(2) ابن عابدين 1 / 89 - 90.
(3) حديث: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ. . . " أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر. . وقال الحافظ البوصيري في الزوائد: إسناده ضعيف، لضعف حيي بن عبد الله وابن لهيعة (سنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 1 / 147 ط عيسى الحلبي
(4) المغني 1 / 222 - 225، والمبسوط 1 / 45، ونهاية المحتاج 1 / 212، ومواهب الجليل 1 / 258.
الصفحة 180