عَلَى الْخِلاَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ إِذَا قَصَدَ بِهِ التَّقَوِّي عَلَى صَوْمِ الْغَدِ، أَوْ لِئَلاَّ يَسْتَحِي الضَّيْفُ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا} (1) . فَالإِْنْسَانُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَأْكُل وَيَشْرَبَ بِحَيْثُ يَتَقَوَّى عَلَى أَدَاءِ الْمَطْلُوبِ، وَلاَ يَتَعَدَّى إِلَى الْحَرَامِ، وَلاَ يُكْثِرُ الإِْنْفَاقَ الْمُسْتَقْبَحَ، وَلاَ يَتَنَاوَل مِقْدَارًا كَثِيرًا يَضُرُّهُ وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَإِنْ تَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَا يَمْنَعُهُ الْقِيَامَ بِالْوَاجِبِ حَرُمَ عَلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ أَسْرَفَ فِي مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ، وَلأَِنَّهُ إِضَاعَةُ الْمَال وَإِمْرَاضُ النَّفْسِ. (2)
وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: مَا مَلأََ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أَكَلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ (3) . وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنَ السَّرَفِ أَنْ تَأْكُل كُل مَا اشْتَهَيْتَ (4) .
__________
(1) سورة الأعراف / 31.
(2) تفسير الفخر الرازي 14 / 62، وتفسير القرطبي 7 / 191، 192، والآداب الشرعية لابن مفلح 2 / 365.
(3) حديث: " ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه. . . " أخرجه أحمد بن حنبل والترمذي واللفظ له وابن ماجه من حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (تحفة الأحوذي 7 / 51، 52 نشر المكتبة السلفية، وسنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 2 / 1111 ط عيسى الحلبي 1373 هـ، والفتح الرباني 17 / 88، 89 الطبعة الأولى 1372 هـ) .
(4) حديث: " إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت، أخرجه ابن ماجه بهذا اللفظ من حديث أنس بن مالك مرفوعا، وقال الحافظ البوصيري: هذا إسناده ضعيف، لأن نوح بن ذكوان متفق على تضعيفه، وقال الدميري: هذا الحديث مما أنكر عليه، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأورده المنذري بلفظ " من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت " وقال: رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع والبيهقي، وقد صحح الحاكم إسناده لمتن غير هذا، وحسنه غيره. (سنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 2 / 1112 ط عيسى الحلبي، وكتاب الموضوعات لابن الجوزي 3 / 30 نشر المكتبة السلفية، والترغيب والترهيب 4 / 202 ط مطبعة السعادة 1380 هـ، وفيض القدير 2 / 526 نشر المكتبة التجارية) .
وَقَدْ نَقَل الْقُرْطُبِيُّ (1) فِي الْحَضِّ عَلَى تَقْلِيل الطَّعَامِ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال لأَِبِي جُحَيْفَةَ حِينَمَا أَتَاهُ يَتَجَشَّأُ: اُكْفُفْ عَلَيْكَ مِنْ جُشَائِكَ أَبَا جُحَيْفَةَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (2) . وَهَذَا الْقَدْرُ مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُطْلَبُ تَخْفِيفُ الْمَعِدَةِ بِتَقْلِيل الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَلَى قَدْرٍ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ وَلاَ كَسَلٌ عَنْ عِبَادَةٍ، فَقَدْ يَكُونُ لِلشِّبَعِ سَبَبًا فِي عِبَادَةٍ فَيَجِبُ، وَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَرْكُ وَاجِبٍ فَيَحْرُمُ، أَوْ تَرْكُ مُسْتَحَبٍّ فَيُكْرَهُ. (3)
__________
(1) القرطبي 7 / 194.
(2) حديث: " أكفف عليك من جشائك أبا جحيفة. . . " أخرجه الحاكم من حديث أبي جحيفة أنه قال: أكلت ثريدة من خبز بر ولحم سمين، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت أتجشأ، فقال: ما هذا كف من جشائك، فإن أكثر الناس شبعا أكثرهم في الآخرة جوعا " قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الحاكم بقوله: فهد قال المديني كذاب، وعمر هالك. قال المنذري: بل واه جدا، فيه فهد بن عوف، وعمر بن موسى، لكن رواه البزار بإسنادين رواة أحدهما ثقات. ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقي والطبراني في الكبير والأوسط ببعض الزيادات. قال الهيثمي: في أحد أسانيد معجم الطبراني الكبير محمد بن خالد الكوفي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات (المس والترغيب والترهيب 4 / 199 ط مطبعة السعادة 1380 هـ، ومجمع الزوائد 5 / 31 نشر مكتبة القدسي) .
(3) بلغة السالك 4 / 752.