كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 4)
مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَلاَ تُؤْخَذُ يَدٌ صَحِيحَةٌ بِيَدٍ شَلاَّءَ، وَلاَ رِجْلٌ صَحِيحَةٌ بِرِجْلٍ شَلاَّءَ، وَلاَ تُؤْخَذُ يَدٌ كَامِلَةٌ بِيَدٍ نَاقِصَةٍ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ فَوْقَ حَقِّهِ، وَلَوْ وَجَبَ لَهُ قِصَاصٌ فِي أُنْمُلَةٍ فَقَطَعَ أُنْمُلَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ عَامِدًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الزِّيَادَةِ، وَهَذَا مَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. (1)
24 - وَلِكَيْ يُؤْمَنُ الإِْسْرَافُ وَالتَّعَدِّي، صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ لاَ يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إِلاَّ بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ، لأَِنَّهُ يُفْتَقَرُ إِلَى اجْتِهَادِهِ، وَلاَ يُؤْمَنُ فِيهِ الْحَيْفُ مَعَ قَصْدِ التَّشَفِّي، وَيَلْزَمُ وَلِيَّ الأَْمْرِ تَفَقُّدُ آلَةِ الاِسْتِيفَاءِ، وَالأَْمْرُ بِضَبْطِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ فِي غَيْرِ النَّفْسِ، حَذَرًا مِنَ الزِّيَادَةِ وَاضْطِرَابِهِ، وَإِذَا سَلَّمَ الْحَاكِمُ الْقَاتِل لِوَلِيِّ الدَّمِ لِيَقْتُلَهُ نَهَى الْحَاكِمُ الْوَلِيَّ عَنِ التَّمْثِيل بِالْقَاتِل وَالتَّشْدِيدِ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ. (2)
وَفِي قِصَاصِ الأَْطْرَافِ يُشْتَرَطُ إِمْكَانُ الاِسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلاَ زِيَادَةٍ، بِأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ، فَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ فَلاَ قِصَاصَ فِيهِ مِنْ مَوْضِعِ الْقَطْعِ، حَذَرًا مِنَ الإِْسْرَافِ. (3)
وَلأَِنَّ الْجَرْحَ الَّذِي يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلاَ زِيَادَةٍ هُوَ كُل جُرْحٍ يَنْتَهِي إِلَى عَظْمٍ كَالْمُوضِحَةِ، اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ
__________
(1) المهذب 2 / 182، 188، ومواهب الجليل 6 / 246، والشرح الصغير 4 / 348، والمغني 7 / 707، 724، وابن عابدين 5 / 53، والبدائع 7 / 298، والبحر الرائق 8 / 306، 308.
(2) كشاف القناع 5 / 535 - 537، والمغني 7 / 707، وشرح منح الجليل 4 / 383، ونهاية المحتاج 7 / 286، والاختيار 5 / 42.
(3) المراجع السابقة.
فِيهَا الْقِصَاصَ، وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى عَدَمِ الْقِصَاصِ فِيمَا بَعْدَ الْمُوضِحَةِ لأَِنَّهُ يَعْظُمُ فِيهِ الْخَطَرُ، أَمَّا فِي غَيْرِهَا مِنَ الْجُرُوحِ فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، لاِحْتِمَال الزِّيَادَةِ وَالْحَيْفِ خَوْفًا مِنَ الإِْسْرَافِ، وَلَوْ زَادَ الْمُقْتَصُّ عَمْدًا فِي مُوضِحَةٍ عَلَى حَقِّهِ لَزِمَهُ قِصَاصُ الزِّيَادَةِ لِتَعَمُّدِهِ (1) ، كَمَا نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ.
وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ (قِصَاص) .
ب - الإِْسْرَافُ فِي الْحُدُودِ:
25 - الْحَدُّ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ وَاجِبَةٌ حَقًّا لِلَّهِ. وَالْمُرَادُ بِالْعُقُوبَةِ الْمُقَدَّرَةِ: أَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ وَمُحَدَّدَةٌ لاَ تَقْبَل الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، فَحَدُّ مَنْ سَرَقَ رُبُعَ دِينَارٍ (2) أَوْ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ وَاحِدٌ. وَمَعْنَى أَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى: أَنَّهَا لاَ تَقْبَل الْعَفْوَ وَالإِْسْقَاطَ بَعْدَ ثُبُوتِهَا، وَلاَ يُمْكِنُ اسْتِبْدَال عُقُوبَةٍ أُخْرَى بِهَا، لأَِنَّهَا ثَبَتَتْ بِالأَْدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ، فَلاَ يَجُوزُ فِيهَا التَّعَدِّي وَالإِْسْرَافِ، وَهَذَا مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. (3)
وَلِهَذَا صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْحَامِل، لأَِنَّ فِيهِ هَلاَكُ الْجَنِينِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهَذَا إِسْرَافٌ بِلاَ شَكٍّ. (4) وَيُشْتَرَطُ فِي الْحُدُودِ الَّتِي عُقُوبَتُهَا الْجَلْدُ، كَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ وَالزِّنَى فِي حَالَةِ عَدَمِ الإِْحْصَانِ أَلاَّ يَكُونَ فِي الْجَلْدِ خَوْفُ الْهَلاَكِ،
__________
(1) نهاية المحتاج 7 / 286، والاختيار 5 / 42، والمغني 7 / 703، 704، ومواهب الجليل 6 / 246.
(2) عند الحنفية أقل ما يقطع به عشرة دراهم.
(3) بدائع الصنائع 7 / 33، ومواهب الجليل 6 / 318، والإقناع 4 / 244، والمغني 8 / 311، 312، والأحكام السلطانية للماوردي ص 194.
(4) البدائع 7 / 59، ومواهب الجليل 6 / 319، والمغني 8 / 317، والدسوقي 4 / 322.
الصفحة 192