كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 4)

لأَِنَّ هَذَا الْحَدَّ شُرِعَ زَاجِرًا لاَ مُهْلِكًا، وَيَكُونُ الضَّرْبُ وَسَطًا، لاَ مُبَرِّحًا وَلاَ خَفِيفًا، وَلاَ يُجْمَعُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ، وَيَتَّقِي الْمَقَاتِل، وَهِيَ الرَّأْسُ وَالْوَجْهُ وَالْفَرْجُ، لِمَا فِيهَا مِنْ خَوْفِ الْهَلاَكِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَلاَّدُ عَاقِلاً بَصِيرًا بِأَمْرِ الضَّرْبِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ لِلتَّحَرُّزِ عَنِ التَّعَدِّي وَالإِْسْرَافِ. (1)
فَإِنْ أَتَى بِالْحَدِّ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَإِسْرَافٍ لاَ يَضْمَنُ مَنْ تَلِفَ بِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ بِالسَّلاَمَةِ، أَمَّا إِذَا أَسْرَفَ وَزَادَ عَلَى الْحَدِّ فَتَلِفَ الْمَحْدُودُ وَجَبَ الضَّمَانُ بِالاِتِّفَاقِ. (2)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مَوَاضِعِهَا.

ج - الإِْسْرَافُ فِي التَّعْزِيرِ:
26 - التَّعْزِيرُ هُوَ: التَّأْدِيبُ عَلَى ذُنُوبٍ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا حَدٌّ وَلاَ كَفَّارَةٌ. وَهُوَ عُقُوبَةٌ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْجِنَايَةِ وَأَحْوَال النَّاسِ، فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ، وَمِقْدَارِ مَا يَنْزَجِرُ بِهِ الْجَانِي، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَنْزَجِرُ بِالْيَسِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يَنْزَجِرُ إِلاَّ بِالْكَثِيرِ (3) ، وَلِهَذَا قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ فِي الضَّرْبِ لِلتَّأْدِيبِ أَلاَّ يَكُونَ مُبَرِّحًا، وَلاَ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهِ، وَلاَ عَلَى الْمَوَاضِعِ الْمَخُوفَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعْتَبَرُ مِثْلُهُ تَأْدِيبًا، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الصَّلاَحُ لاَ غَيْرُ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى
__________
(1) البدائع 7 / 59، والمغني 8 / 311 - 315، والحطاب 6 / 319، وقليوبي 4 / 183، 204، 205.
(2) المغني 8 / 311، 312، ومواهب الجليل 6 / 297، والقليوبي 4 / 209، والبدائع 7 / 304، 305.
(3) الزيلعي 3 / 204، ومواهب الجليل 6 / 319، والقليوبي 4 / 205، وابن عابدين 3 / 177، والبدائع 7 / 63، والمغني 8 / 324، والإقناع 4 / 268.
ظَنِّهِ أَنَّ الضَّرْبَ لاَ يُفِيدُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَخُوفًا لَمْ يَجُزِ التَّعْزِيرُ بِالضَّرْبِ، وَإِلاَّ كَانَ ضَامِنًا بِلاَ خِلاَفٍ، لأَِنَّ الضَّرْبَ غَيْرُ الْمُعْتَادِ، وَاَلَّذِي لاَ يُعْتَبَرُ مِثْلُهُ أَدَبًا، تَعَدٍّ وَإِسْرَافٌ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ. (1)
27 - أَمَّا إِذَا ضَرَبَ لِلتَّأْدِيبِ عَلَى النَّحْوِ الْمَشْرُوعِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ - كَمَا فَسَّرَهُ الرَّمْلِيُّ - بِأَنْ يَكُونَ الضَّرْبُ مُعْتَادًا كَمًّا وَكَيْفًا وَمَحَلًّا - كَمَا عَبَّرَ الطَّحْطَاوِيُّ - فَتَلِفَ، كَضَرْبِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ لِنُشُوزِهَا، فَتَلِفَتْ مِنَ التَّأْدِيبِ الْمَشْرُوعِ، لاَ يَضْمَنُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيَضْمَنُ عَنِ التَّلَفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَلَوْ كَانَ الضَّرْبُ مُعْتَادًا، لأَِنَّ التَّأْدِيبَ حَقٌّ، وَاسْتِعْمَال الْحَقِّ يُقَيَّدُ بِالسَّلاَمَةِ عِنْدَهُمَا، وَلاَ يُقَيَّدُ بِهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهَا. (2)
وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ (مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الأَْصَحِّ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ) عَلَى أَنَّ عُقُوبَةَ الْجَلْدِ فِي التَّعْزِيرِ لاَ تَتَجَاوَزُ تِسْعَةً وَثَلاَثِينَ سَوْطًا، لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ. (3) لأَِنَّ الأَْرْبَعِينَ حَدٌّ كَامِلٌ لِلرَّقِيقِ، فَإِذَا نَقَصَتْ سَوْطًا أَصْبَحَ الْحَدُّ الأَْعْلَى لِلتَّعْزِيرِ تِسْعَةً
__________
(1) المغني 8 / 327، وأسنى المطالب 3 / 239، ومواهب الجليل 4 / 15، 16، والطحطاوي 4 / 375، والأم 6 / 176.
(2) المراجع السابقة، ونهاية المحتاج 8 / 28، ومنح الجليل 4 / 556، والأشباه لابن نجيم ص 289.
(3) حديث: " من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين " أخرجه البيهقي من حديث النعمان بن بشير، وقال: والمحفوظ هذا الحديث مرسل (السنن الكبرى للبيهقي 8 / 327 ط الهند، وفيض القدير 6 / 95 نشر المكتبة التجارية 1357 هـ) .

الصفحة 193