كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 4)

يُعْلَمُ فِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي قِصَّةِ اصْطِيَادِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، قَال: فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِل عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لاَ قَال: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا (1) . وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ إِعَانَةٌ عَلَى قَتْلِهِ بِشَيْءٍ حَل لَهُ الأَْكْل مِنْهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ (2) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُشِيرِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، لأَِنَّ الإِْشَارَةَ إِلَى الصَّيْدِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ بِدَلِيل تَحْرِيمِ الأَْكْل مِنْهُ، فَتَكُونُ جِنَايَةً عَلَى الصَّيْدِ بِتَفْوِيتِ الأَْمْنِ عَلَى وَجْهٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ، فَصَارَتْ كَالْقَتْل (3) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لاَ جَزَاءَ عَلَى الْمُشِيرِ، لأَِنَّ النَّصَّ عَلَّقَ الْجَزَاءَ بِالْقَتْل. وَلَيْسَتِ الإِْشَارَةُ قَتْلاً (4) .

الإِْشَارَةُ إِلَى الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ:
17 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا عِنْدَ الطَّوَافِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: مَا تَرَكْتُ اسْتِلاَمَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلاَ رَخَاءٍ مُنْذُ رَأَيْتُ
__________
(1) حديث: أبي قتادة في قصة اصطياده. أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة واللفظ للبخاري (فتح الباري 4 / 28، 29 ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 2 / 853، 854 ط عيسى الحلبي 1374 هـ) .
(2) سبل السلام 2 / 193.
(3) فتح القدير 2 / 257، والمغني لابن قدامة 3 / 418.
(4) مغني المحتاج 1 / 524، وروضة الطالبين 3 / 149، والقوانين الفقهية 92 ط دار القلم - بيروت، والحطاب 3 / 176.
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُهُمَا (1) . كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الإِْشَارَةِ إِلَى الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الاِسْتِلاَمِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ (2) .
وَاخْتَلَفُوا فِي الإِْشَارَةِ إِلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ عِنْدَ تَعَذُّرِ الاِسْتِلاَمِ. فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشِيرُ إِلَيْهِ إِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِلاَمِهِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ قِيَاسًا عَلَى الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ (3) .

التَّسْلِيمُ بِالإِْشَارَةِ:
18 - لاَ تَحْصُل سُنَّةُ ابْتِدَاءِ السَّلاَمِ بِالإِْشَارَةِ بِالْيَدِ أَوِ الرَّأْسِ لِلنَّاطِقِ، وَلاَ يَسْقُطُ فَرْضُ الرَّدِّ عَنْهُ بِهَا. لأَِنَّ السَّلاَمَ مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي جَعَل لَهَا الشَّارِعُ صِيَغًا مَخْصُوصَةً، لاَ يَقُومُ مَقَامَهَا غَيْرُهَا، إِلاَّ عِنْدَ تَعَذُّرِ صِيغَتِهَا الشَّرْعِيَّةِ. وَتَكَادُ تَتَّفِقُ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْقَوْل: بِأَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الإِْسْمَاعِ، وَلاَ يَكُونُ الإِْسْمَاعُ إِلاَّ بِقَوْلٍ (4) .
__________
(1) حديث: " ما تركت استلام هذين الركنين. . . " أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (فتح الباري 3 / 471 ط السلفية) .
(2) حديث: " طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير. . . " أخرجه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما (فتح الباري 3 / 476 ط السلفية) .
(3) مغني المحتاج 1 / 488، والبحر الرائق 2 / 355، وابن عابدين 2 / 166، والدسوقي 2 / 41، والخرشي 2 / 325 - 326، وكشاف القناع 2 / 478 - 479، والمغني 3 / 393 - 396 ط أولى.
(4) نهاية المحتاج 8 / 48، وكفاية الطالب 2 / 378، وحاشية ابن عابدين 5 / 265.

الصفحة 283