كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 4)

فِي السُّنَّةِ مَا يُفِيدُ حِل مَال الاِبْنِ لأَِبِيهِ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَِبِيكَ (1) وَقَوْلُهُ: إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَل الرَّجُل مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ (2) وَوُجُودُ مِثْل هَذَا يُنْتِجُ اشْتِبَاهًا فِي الْحُكْمِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِسْقَاطُ الْحَدِّ، لأَِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الشُّبُهَاتِ أَخْذُ الرَّجُل مِنْ مَالٍ جَعَلَهُ الشَّرْعُ لَهُ، وَأَمَرَهُ بِأَخْذِهِ وَأَكْلِهِ. وَقَال أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ (3) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (سَرِقَة) .
وَمِنْ الاِشْتِبَاهِ النَّاشِئِ عَنْ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ فِي الظَّاهِرِ مَا وَرَدَ بِالنِّسْبَةِ لِطَهَارَةِ سُؤْرِ الْحِمَارِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: الْحِمَارُ يُعْتَلَفُ الْقَتَّ وَالتِّبْنَ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ (4) وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِل: أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قَال: نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا (5) ، وَرُوِيَ عَنْ
__________
(1) حديث: " أنت ومالك لأبيك " سبق تخريجه (ف 3) .
(2) حديث: " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه " أخرجه أحمد (6 / 41 - ط الميمنية) ، وأبو داود (3 / 800 - ط عزت عبيد دعاس) والنسائي (7 / 241 ط المطبعة المصرية بالأزهر) ، والترمذي (تحفة الأحوذي 4 / 591 - 592 نشر المكتبة السلفية) ، وابن ماجه (سنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 2 / 723 ط عيسى الحلبي) ، من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا،وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
(3) فتح القدير 4 / 238 ط أولى أميرية، وحاشية الدسوقي 4 / 337، وشرح المنهج بحاشية الجمل 5 / 142 ط دار إحياء التراث العربي، والمغني 8 / 275.
(4) أثر عبد الله بن عباس أورده صاحب البدائع، ولم نعثر عليه فيما لدينا من مراجع السنن والآثار (بدائع الصنائع 1 / 65 نشر دار الكتاب العربي 1394 هـ) .
(5) حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أنتوضأ مما أفضلت الحمر. . . .؟ " أخرجه الدارقطني (1 / 62 - ط شركة الطباعة الفنية) ، والبيهقي (1 / 249 - ط دائرة المعارف العثمانية) وأعلاّه بأحد الرواة الضعفاء.
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: " إِنَّهُ رِجْسٌ (1) وَالتَّوَقُّفُ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ وَاجِبٌ. فَلِذَلِكَ كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ التَّوَقُّفُ عَنْ إِعْطَاءِ حُكْمٍ قَاطِعٍ، لِتَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ (2) . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الأَْصَحُّ أَنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ مَشْكُوكٌ فِي طَهُورِيَّتِهِ (أَيْ كَوْنُهُ مُطَهِّرًا، لاَ فِي طَهَارَتِهِ فِي ذَاتِهِ) وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ. وَسَبَبُهُ تَعَارُضُ الأَْخْبَارِ فِي لَحْمِهِ، وَقِيل: اخْتِلاَفُ الصَّحَابَةِ فِي سُؤْرِهِ، وَقَدِ اسْتَوَى مَا يُوجِبُ الطَّهَارَةَ وَالنَّجَاسَةَ فَتَسَاقَطَا لِلتَّعَارُضِ، فَيُصَارُ إِلَى الأَْصْل، وَهُوَ هُنَا شَيْئَانِ: الطَّهَارَةُ فِي الْمَاءِ، وَالنَّجَاسَةُ فِي اللُّعَابِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الآْخَرِ، فَبَقِيَ الأَْمْرُ مُشْكِلاً، نَجِسًا مِنْ وَجْهٍ، طَاهِرًا مِنْ وَجْهٍ (3) .

د - اخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ:

12 - مِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، كَالنِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ، فَالْحَنَفِيَّةُ يُجِيزُونَهُ. وَسُقُوطُ الْحَدِّ بِسَبَبِ ذَلِكَ قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، لأَِنَّ الاِخْتِلاَفَ فِي إِبَاحَةِ الْوَطْءِ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (4) وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى بَابِ (حَدِّ الزِّنَى) .
__________
(1) الأثر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة بلفظ: " أنه كان يكره سؤر الحمار " (مصنف عبد الرزاق 1 / 105، ومصنف ابن أبي شيبة 1 / 29) .
(2) البدائع 1 / 65، والمغني 1 / 48.
(3) حاشية ابن عابدين 1 / 151.
(4) فتح القدير 4 / 143 - 144، والبدائع 7 / 35، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 4 / 313، ومواهب الجليل والتاج والإكليل 6 / 291، 293، وحاشية قليوبي 4 / 180، ونهاية المحتاج 7 / 405، والمغني 8 / 184.

الصفحة 293